Pages


السلفيون سيتحكمون فى الفكر الإسلامى.. والأزهر لن يكون له دور يذكر


عقيرة البعض تعالت بتشميع التماثيل حتى لا نعبدها من دون الله، وهدم الكنائس لأنه يُعبد فيها غير الله، وفرض الجزية على المسيحيين لأنها شريعة عثروا عليها داخل الأنفاق المظلمة لتراثهم المنقول عن أسلافهم، ومنع سياحة الأجانب لأنهم يشربون الخمر ويرتدون المايوه على الشواطئ، وإلزام المصريات بالحجاب قسرا وإجبارهن لأنه شريعة الله، ودفع الناس لصلاة الجماعة لأنها هى الأصل، ولأن من يصلى فى بيته بلا عذر فيحق للإمام حرقه بالنار، وتحريم حلق اللحية بفرض غرامات على الحلاقين الذين يحلقونها لزبائنهم لأن حالقها يرتكب الحرام، وأحقية الزوج فى ضرب زوجته لتأديبها لأن زعمهم أملى عليهم بأن الشرع أباح له ذلك، وربوية البنوك وتحريم الفن وتحريم خروج المرأة، وغير ذلك مما تعلمونه من دروبهم التى يتصورها السذج إسلاما وشريعة.

بل لقد بلغت بهم الفوضى الفكرية تدشين لجماعات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، تلك الجماعات التى تكون مهمتها دفع الناس لأداء الفرائض وارتداء النساء للحجاب، ألا يفهم هؤلاء بأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان طواعية وخالصا لوجهه، كيف نقهر الناس على الطاعة وقد قال تعالى: «لاَ إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَىِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» البقرة.256 بل لقد جعل الله أخطر قضية وهى العقيدة فى حرية فقال تعالى: «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ... » الكهف .29

إن هذا التوجه البدوى ينذر بحرب أهلية بمصر، فمصر غير دول الخليج، والحضارة هنا أصيلة وليست مستوردة، عميقة وليست على السطح، فجماعات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هى جماعات التصدى للحضارة من منطلق المفهوم البدوى للشريعة.

وسوف تموج البلاد طولا وعرضا بالفوضى التى ستخلفها مناهج الفكر السلفى الوهابى على أرض الواقع، ولن يكون للأزهر دور يذكر اللهم إلا موقف المتفرج من بعيد، لذلك أتوقع عاما جديدا كئيبا على البلاد، ولن تتحرك السياحة من توقفها، فقد صنفت مصر كدولة راعية للفكر المتطرف، لذلك ستتجه السياحة العالمية بعيدا عن أرض الكنانة، لكن أبشروا يا من ملأتم صناديق الانتخاب ففاز الإخوان والسلفيون باختياركم لهم، فسيتم تصنيف دولى لمصر أعلى من رعاية الفكر المتطرف وهو رعاية الإرهاب، فأعضاء مجلسكم الموقر يرون البطولة والفداء فى أمثال بن لادن والظواهرى اللذين قتلا من المسلمين أكثر ممن قتلوا من غيرهم، وقتلوا من النساء والأطفال أكثر ممن قتلوا من الرجال، وقتلا من المدنيين أكثر ممن قتلوا من العسكريين ومع هذا فقد رأينا صورته - رحمه الله - عالية فى جمعة قندهار بميدان التحرير، ولم يرفعها إلا ناخبوكم.

ولسيطرة السلفية على الأزهر فهم يقولون دوما بضرورة استشارة مجمع البحوث الإسلامية، وهذا ما أحذر منه وأنبه - بشدة الأب الحانى - على تتبعه ووأده، فأكثر رجال الأزهر باتوا يناوشون لأجل معايشهم من فرط إهمال الدولة لهم، لهذا فقد ارتموا فى أحضان وهابية العصر المسماة بالسلفية لأجل خاطر البترودولار عسى أن يصيبهم الله من نفحاته.

∎ عبث وهابى
إن العمل ضد الثورات الشريفة هو دأب دول بالمنطقة كانت تستفيد دوما كلما ضعف نظام الحكم بمصر، وهل كان للصوت السلفى أن يرتفع إلا بأموال تتدفق باستمرار لنشر الفكر الوهابى عبر الأقمار الصناعية، فبعد أن كانت السلفية تُحرِّم التلفاز، أصبح أتباعها ومشايخها نجوما به، إن الأموال التى يتم دفعها لنشر الدعوة الوهابية على القمر الصناعى (نايل سات) كلها بترولية.

وبعد أن كانت الديموقراطية بدعة وضلالة صارت حلالا بلالا وعذبا فراتا؛ ثم وفجأة أصبح رجال السلفية فى مقدمة المرشحين لمجلس الشعب، هكذا بلا تأهيل سياسى ولا فهم قانونى أصبحوا فى صدارة المشهد التشريعى بالبلاد؛ فهل هذا من الإخلاص لدين الله أم للإخلاص فى الوثوب على كعكة الحياة.

وهل الاستيلاء على الأزهر هو أحد الأطماع التى تعمل لأجلها دول تعمل على إضعاف الأزهر بإنشاء طابور خامس وهابى به؟، وهل من بصر وبصيرة لنكشف زيف هذه الأفكار البدوية التى تفرح لإسلام كاميليا شحاتة ووفاء قسطنطين، أو الزانية الشهيرة، وتقيم لهن المظاهرات، وكأنهم بدار الأرقم ابن أبى الأرقم يهللون ويكبرون عند إسلام فتى واحد أو فتاة، إنه الفكر السلفى البدوى الذى لا يتطور أبدا مع مرور الزمن عليه، وهو الفكر الذى يعمل على عواطف العامة ليجمع حوله القلوب الساذجة فيتقوى بها.

∎ تعرية الرجولة
بينما لا تكاد تسمع همسا يشجب الاعتداء على فتيات ونساء مصر فى شوارعنا، حيث تمت تعرية الرجولة المصرية حين سحلت المرأة أو أراد من أراد أن يقيم عليها حفلة، أو تلك التى شج رأسها وكسرت يدها وغيرهن كثيرات، فأين النخوة السلفية من هذا المعترك، لم نسمع سلفيا واحدا يطالب بتطبيق شريعة القصاص على الضباط والجنود الذين سحلوا وضربوا وشجوا الرؤوس للنساء والرجال على السواء، فهل يا ترى ستستبدلون عقوبة الحبس بعقوبة السحل والشج للرؤوس لأن الله تعالى قال: «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم»، وقوله سبحانه «وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به»؛ فأين أنتم من المناداة بتطبيق الشريعة، أم ستكونون مثل دول تطبقها على الشعب ولا تطبقها على الأمراء؟؛ نحن لا نعارض الشريعة ولكن نعارض فهم البداوة للقرآن والسنة.

إن الدول التى تغذى السلفية الوهابية بمصر لا تريد لمصر إلا أن تظل فى أوحال نظام ترتاح له تلك الدول، وهل يكون التظاهر ضد الحاكم حراما بينما يكون التظاهر السلفى فى وجه الإمام الأكبر شيخ الأزهر حلالا؟، كيف يفكر ذلك الصنم السلفى المتناقض الذى ثار وتظاهر ضد شيخ الأزهر؟.

إن الأزهريين أتباع المنهج السلفى ليسوا خطرا على الأزهر فحسب، بل هم خطر على مصر بأسرها، والسلفية عموما هى الخطر الناعم الذى يتوغل باسم الدين بل يزعمون زورا أنهم يمثلون صحيح الدين، وما هم إلا مجموعة من حفاظ النصوص بلا روح.

وهل الطعن فى شيخ الأزهر تارة والمفتى تارة، والبابا شنودة تارة ثالثة، وإشاعة فكرة العلمانية ضد المثقفين من أبناء مصر، والتظاهر فى مواجهة الكاتدرائية، وحرق الكنائس بل وهدمها بالبلدوزر، والاستيلاء على المساجد، وهدم قبور الصالحين، أمر تغذيه ثقافة فقط أم يغذيه فكر ومال دول يجرى الدولار بباطن أراضيها بترولا لخدمة ذلك الفكر.

إن محاولة زعزعة استقرار الدولة بافتعال هياج فى كل مكان، والطعن فى كل ما هو غير سلفى، لا يمكن لداعية سلفى أن يقوم به بمفرده، ولا تنهض به إلا دول بترولية تنتحب لقرب زوال ملكها الفكرى بمصر، فتكون السلفية هى الأداة، ويكون الأزهر هو الهدف والكعكة التى ستقدمها تلك الدول لرعاياها الوهابيين من أهل السلفية.

∎المفكر الساقط
إن السلفية تقول بأنها تتبع القرآن والسنة بفهم سلف الأمة، فهكذا نشرت جريدة الأهرام قول كبيرهم، وهو ما يرددونه فى مجامعهم ومقابلاتهم وبالتلفاز، ومن لا يتعمق قد يغتر بمثل هذا المنهج ذى الأصول البراقة، فالجزء الأول منه يقوم به كل المخلصين لدينهم، أما الجزء الثانى وهو عبارة «بفهم سلف الأمة» فهو الطامة الكبرى.

فلقد اختلفت السلفية على ثلاث فرق فى تفسيرهم لمفهوم سلف الأمة، فمنهم من قال إنهم الصحابة، ومنهم من قال الصحابة والتابعين، ومنهم من قال بأن السلف هم رجال الثلاثة قرون الأولى.

وأيا كان وجه الحق فى معنى السلف، فإن تعبير «فهم سلف الأمة» يحمل تحجرا فكريا غير مسبوق، بل ومخالف لكتاب الله، بينما يصوّر السلفيون للناس بأننا نكره الصحابة، فهكذا يداعبون عواطف السذج، بينما هم يصنعون الزيف ويمكرون بالإسلام، إذ إن ارتباط المسلم بفهم سلف الأمة يحمل فى طياته إنشاء العصمة لمفهوم السلف، فيكون لدينا نص معصوم وهو القرآن، وفهم معصوم وهو فهم السلف، وبهذا نكون من المبتدعين المخالفين لكتاب الله القائل: «..هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى» النجم 32 لأننا نكون قصرنا التدبر والفهم على السلف الصالح، ويتعطل تنفيذنا لكل آية تقول: «أفلا تعقلون، لقوم يتفكرون، إن فى ذلك لآيات لأولى الألباب.. إلخ» لأنه لا فهم ولا لب ولا عقل إلا عقل السلف، وهو الخطيئة الكبرى التى تمارسها سلفية الوهابية.

بل تراهم يقولون قولا عجيبا ومصطلحا فاسدا وهو اجتهد لكن لا تختلف، ففيم الاجتهاد إن لم يثمر عن اختلاف، ولأنهم أساطين الخلاف لذلك فهم لا يحبون الاختلاف، لهذا صنعوا أصناما من قول السلف ظلوا لها عاكفين، وقالوا بالبدعة عن كل جهد وفكر للخلف، بل من عجائب فقههم ألا تقود النساء السيارات بينما يبيح ذات الفقه أن ترضع النساء الرجال.

وليفهم أتباع السلفية أن أساطين دعاتهم لا يحملون علما قدر ما يحملون تحجرا وتخلفا فكريا يسمونه إسلام، وهنا يبرز الدور الفكرى للأزهر الذى يريدون الاستيلاء عليه وقيادة سفينة الفقه للخلف بسلفيتهم المدعومة بالدولار والريال والدرهم.

إن على أتباع دول النفط اعتزال ذلك الدين الجديد الذى يطلقون عليه إسلام، وما هو من الإسلام فى شىء، بل صدق شيخ الأزهر حين قال عنهم بأنهم خوارج العصر الحديث، وأضيف بأن مصر لا ترتضى أن تستولى حفنة بشرية ساقطة فكريا على الأزهر، مهما كان دعمها، فمصر بلد عريق وشعب أصيل وثقافة ضاربة فى عمق التاريخ، ولسنا قشورا فكرية يزرعها الشياطين اليوم ليجمعوا ثمرتها بعد ساعة من الزمن، فمهما كان دعمهم أو علمهم فلن يفلحوا إذا أبدا.

∎ فرص الأزهر
وعلى الأزهر المقاومة، وأول خطوطها تعديل مناهجه لتتواءم مع العقل والنقل والحضارة، فعيب جدا على رجالات الأزهر والواحد منهم أوسع علما من كل الأئمة مجتمعين، أن يستظلوا بفقه غريب عن البيئة التى نعيشها، فقه صدر عن عقول لا تعرف لحضارتنا معنى، وليعلم الأزهر بأنه إن كان السلف صالحا فنحن أصلح منهم، هذا بالطبع باستثناء الصحابة رضوان الله عليهم، لأنه ليس من بيننا من دس الحديث على النبى، ولا من قتل أخاه، أو افتعل الحروب، أو رجم الكعبة بالمنجنيق، أو اختطف الحجر الأسود 18 سنة، ولا من لعن عليا كرم الله وجهه 80 سنة على المنابر، وليس منا من عذب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك وابن حنبل، ولا من قتل أهل بيت النبى لدنيا يصيبها، لذلك فنحن نرانا أهلا لحسن ظنكم بنا، وأنتم منا ونحن منكم ونحن نعتمد على علمكم فلا تجعلونا نستظل بظل فقه غير فقهكم؟؛ ولا تجعلوا لغيركم سبيلا فقهيا علينا. لكنى من كثرة ما جاهدت ضد مناهج الأزهر ترانى يائسا، فكما فشلت مع القرود أن تعلم بأن ثمرة المانجو أحلى من الفول السودانى الذى تهواه، فأرانى فشلت مع المناهج بالأزهر أن تتطور، ويبدو أنى سأكمل حياتى فاشلا مع القرود، ومجاهدا مع مناهج الأزهر، إن مناهج الأزهر تخرب عقول الطلاب وتستحثهم ليكونوا بغاة فكريا وراسبين نفسيا ومع هذا تجد تلك المناهج الأزهرية راسخة رسوخ الجبال الرواسى.

∎ كعكة البرلمان
لقد فاز الإخوان والسلفيون بكعكة البرلمان، وظاهر أمرهم الاجتماع لكن هيهات أن تجتمع السلفية أو تتحد إلا مع نفسها، لذلك ترقبوا شجارا وخلافا وعنفا فى الخصومات بين الفائزين الإسلاميين بالبرلمان، فبينما يتميز الإخوان بالدهاء والمرونة وسعة الصدر، يتصدر التعصب والتعنت وقلة الحيلة المشهد السلفى، لذلك فلن تمر الأيام على مجلس الشعب بخير يذكر، وستكون مهمة البرلمان التصفيق والشكر للمجلس العسكرى، وسيقدم الرئيس القادم الأوسمة والأنواط للمجلس العسكرى حتى يضمن عدم محاسبته على إجراءات يراها البعض جرائم ارتكبها ذلك العسكرى ضد الشعب وضد الثورة.

∎ إسلامنا وإسلامكم
لقد صدق القائل حين يقول لا أريد إسلامكم لكن أريد إسلاماً لا يُكره أحداً على أداء شعائره كما قال سبحانه: «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ..» الكهف .29 إسلاماً يُقِيّم الناس بالمحبة التى فى قلوبهم وليس ذلك الإسلام الذى يُقيمهم بما يلبسون ولحاهم التى يطلقون، فالله تعالى قال فى كتابه العزيز بسورة الشعراء: «يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ) 88 (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) .89

نعم أُريد ذلك الإسلام الذى يحنو على المسكين واليتيم والأسير أيّاً كان دينهُ أو عرقه أو عقيدته فقد قال تعالى «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً» الإنسان .8

ولم يقل ويطعمون المسكين المسلم، أو اليتيم المسلم، أو الأسير المسلم فقط.

نعم أُريد إسلاماً يُدافع أتباعه عن كنائس ومعابد غير المسلمين كما يدافعون عن المساجد فالله تعالى هو سبحانه القائل: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ» الحج .40 نعم أُريد إسلاماً يعلو بالتواضع ويسمو بالرحمة والمغفرة لا باللعنات والكبر فالله تعالى هو القائل: «وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِى الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم» النور .22

نعم أُريد ذلك الإسلام الذى يشهد أتباعه بالحق والصدق ولو حتى على أنفسهم كما قال ربى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً» النساء .135

نعم أريد ذلك الإسلام الذى تسمو فيه الروح فوق الأحرف والكلمات والمذاهب والفرق كما قال ربى: «وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ» الشورى .52 نعم أُريد ذلك الإسلام الذى يجعل أتباعه «ربانيين» وليسوا شراذم متفرقة بين المذاهب كما قال ربى: «مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّى مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ» آل عمران .79 أى أولئك الذين يرى الناس أعمالهم الحسنة فيقدسون وجه خالقهم ومبدعهم .

نعم أُريد ذلك الإسلام الذى يجعلنا نُقدس الإبداع فالله تعالى هو: «بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ» البقرة .117 ونحترم الفكر المخالف ونرى فيه جمالاً لأهميته فقد قال ربى «وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ» هود .118 إنى أُؤيد ذلك الإسلام الذى هجره ونسيه الكثيرون كما قال الله: «وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورا» الفرقان .30

فإن كانت تلك الصفات والتى تسمح باحترام الفكر والتنوع والاختلاف وتقدس الجمال والإبداع هى مرجعية الإسلام فأهلا وسهلاً بها. وإن كان مفهوم المرجعية عند البعض هو إكراه الناس على شعائر الدين وقمع بناء كنائسهم ومعابدهم وإصدار الأحكام على البشر ونعتهم بالكفر والزندقة فلا أهلاً ولا سهلاً بتلك المرجعية . فهؤلاء لا يريدون لنا «ذلك» الإسلام الذى أنزله الله للناس بل «إسلام» يستعبدون هم به الناس فحذار منهم!، ورحمة ببلادنا فلسنا أفغانستان ولا الصومال ولا السودان، فقد تقدمت تركيا بالإسلام، وتقدمت ماليزيا بالإسلام، فلا تخذلونا فنتأخر بإسلامكم.


محام بالنقض ومحكم دولي وكاتب إسلامي



الإسلام والحرية والعلمانية (١-٥)

تتردد هذه المفردات كثيراً فى معظم الكتابات الحديثة عن الإسلام دون أن تصل إلى تحديد دقيق، ويغلب دائماً أن تأخذ الشكل الأكاديمى الذى يغرق القارئ فى نصوص متعارضة واستشهادات متفاوتة، ونرجو أن نقدم فى هذا البحث إضافة تأخذ أسلوباً جديداً وتنتهى إلى نتائج جديدة أيضاً، قد تخالف المأثور التقليدى، ولكنها تتفق تماماً مع نص القرآن الكريم وروحه وما ثبت عن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.
الحرية
الانطباع الذى تصدر عنه معظم الكتابات التقليدية عن الحرية والإسلام أن الإسلام لما كان بالدرجة الأولى ديناً، فمن الطبيعى أن يختلف فى أهدافه ووسائله عما تتجه إليه وتنهجه الحرية والعلمانية، وشواهد الحال تدعم هذا الانطباع، فمعظم المفكرين الإسلاميين يضيقون بالحرية والعلمانية، وأكثرهم تحرراً يقف عند «الثوابت»، فى حين أنه لا معنى لحرية الفكر إذا حرمنا عليها مناقشة الثوابت، إذ إن أهم ما يفترض أن تتجه إليه الحرية هو هذه الثوابت بالذات، التى إن كانت تقوم بالحفاظ والاستقرار للمجتمع، وتمسكه من الانزلاق أو التحلل، إلا أن عدم مناقشتها يجعلها تتجمد، بل تتوثن وتأخذ قداسة الوثن المعبود، هذا كله بفرض أن الثوابت هى دائماً صالحة ولازمة، ولكنها لا تكون كذلك دائماً، وقد جلى القرآن صيحة عجب المشركين من الرسول الذى يريد أن يجعل الآلهة إلهاً واحداً: «إن هذا لشىء عجاب»، فضلاً عن أن الثوابت تعبير مطاط فيمكن أن تنتقل من الله إلى الرسول ومن الرسول إلى الصحابة، ومن الصحابة إلى السلف الصالح، كما هو الحال فى فكر الكثيرين، وتجربة البشرية أنه ما إن يسمح المشرع باستثناء فى الحريات، ولو كثقب إبرة، حتى يصبح ثغرة تتسع للجمل وما حمل.
وحتى عندما تسمح حرية الفكر بالغلو، فإن الغلو، وإن كان فى مجموعه سيئاً، إلا أنه قد يصل إلى استكشاف ما لا يستكشفه النقاش المألوف، وقد كان الخوارج من أكثر الناس غلواً فى بعض جوانب عقيدتهم، ومع هذا فقد كانوا هم الذين استكشفوا فساد المبدأ الذى أقره الفقهاء جميعاً «الأئمة من قريش»، وقالوا إن الإمام هو الأصلح، وذهب بعضهم إلى عدم ضرورة الإمامة أصلاً، إذا استطاع الناس أن يصلحوا أمورهم فيما بينهم، وهو ما اعتبر أقصى درجات الغلو، ومع هذا فإنه كان ولايزال أمنية كثير من المفكرين.
وقد كشف شاعرنا الكبير شوقى ببداهة الفنان بعض الجوانب المشرقة فى الغلو فى مرثيته الرائعة لأمين الرافعى الذى اتهمه أعداؤه بالغلو فى الوطنية:
قيل غال فى الرأى، قُلت هَبُوه قد يكون الغلو رأياً أصيلاً
وكم استنهض الشيوخَ وأذكى فى الشباب الطماح والتأميلا
ولكن شيئاً من هذا لا يمكن أن يقف أمام السد المصمت الذى يقيمه المفكرون الإسلاميون ما بين الثوابت والحرية، والذى يقضون به على أعظم رسالة للحرية، ألا وهى الحيلولة دون توثين الثوابت، حتى عندما نقول لهم: إن هذا التوثين يصبح مع الزمن شِرْكاً، وما حركة ابن تيمية إلا مقاومة لتوثين ما توهمه معاصروه ثوابت، حتى عندما نقول لهم هذا فإنهم لا يغيرون موقفهم الذى أصبح نوعاً من «المزاج» وجزءاً من الشخصية.
ونحن نؤمن إيماناً تاماً بأن الإسلام الذى يُعتد به، أى إسلام القرآن والصحيح عن الرسول، يأخذ بمبدأ حرية الاعتقاد والفكر على إطلاقها، وشاهدنا ومستندنا فى هذه الدعوى أمران: الأول: نصوص الآيات بالقرآن الكريم والمواقف التى وقفها الرسول، والثانى: طبيعة الأشياء التى يأخذ بها القرآن ويطلق عليها «سنة الله».
ولا يعنينا بعد هذا فى شىء ما تحفل به كتب الفقه، وما تتضمنه من أحكام عن المرتد، ومَنْ جَحَدَ مَعْلُوماً من الدين بالضرورة، «فمن قصد البحر استقل السواقيا».
أما آيات حرية الفكر والاعتقاد فى الإسلام فقد تبلغ مائة آية كلها تقرر أن مَنْ آمن فلنفسه، ومن كَفر فعليها، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ، وأنه لا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ. وأن الرسول، وهو الداعى إلى الإسلام ليس عليه إلا البلاغ، ولكنه ليس حفيظاً ولا مسيطراً ولا جباراً ولا حتى وكيلاً عن الناس، وأنه لا يهدى من يحب، وإنما يهدى الله من يشاء «لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ»، وأن ليس للرسول أن يبخع نفسه أمام من لم يؤمنوا: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآَمَنَ مَن فِى الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ».
أما الاختلاف فحكمه إلى الله «وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ».
كما يلفت النظر إلى أن القرآن تحدث عن المرتدين عدة مرات دون أن يوجب عليهم عقوبة دنيوية، وإنما جعل جزءاهم على الله يوم القيامة.
أما الحرب التى أطلق عليها الردة فليست إلا تمرداً عسكرياً من بعض قبائل العرب التى ضاقت بالحكم المركزى، وبدفع الزكاة وتولية أبى بكر، ولكنهم كانوا يؤمنون بالله وبالرسول ويؤدون الصلوات، فلم تكن حرب ردة، وإنما كانت رداً (لأنهم هم الذين بدأوا الحرب قبل أن يتحرك أبوبكر) على تمرد عسكرى.
ولم تظهر حكاية المرتد، واستتابته إلا فى مرحلة لاحقة وعلى أيدى الفقهاء الذين أصدروا أحكامهم من منطلق «حكم الصنعة»، وبدعوى حماية العقيدة وبتأثير النظم السياسية الطاغية... إلخ.
يدعم هذه الحقيقة موقف الرسول من المنافقين فى المدينة الذين قال عنهم القرآن إنهم «الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً»، «وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا»، ومع هذا فلم يوقع عليهم الرسول عقوبة من أى نوع وتغاضى عن كفرهم، أما ما يوردونه من أحاديث تتضمن عقوبة على الردة، فإنها إذا صحت تقرن الردة بالخروج عن الجماعة، مما كان يعنى وقتئذ الانحياز إلى المشركين ومحاربة المسلمين.
على أن موقف على بن أبى طالب من الخوارج الذين خسروه نصر صفين، بعد أن كان قاب قوسين منه، وانعزلوا عنه وسيوفهم على عواتقهم، ثم كفّروه ! بعد كل هذا لم يشن عليهم الإمام على الحرب، بل تركهم وعرض عليهم تسويتهم ببقية المسلمين حتى بدأوا العدوان فلم يكن مناص من رده، وهذا المثال مما يندر وجوده فى أشد النظم تحرراً وديمقراطية.
قلنا فى مستهل الفقرة إن سندنا فى أخذ الإسلام بحرية الفكر هو النصوص القرآنية ثم طبيعة الأشياء التى يأخذ بها القرآن ويطلق عليها «سُـنة الله»، وقد أشرنا إلى ما جاء فى القرآن من نصوص، وبقى أن نعالج نقطة «طبيعة الأشياء».
وهذه قضية لا تتطلب عناء، لأنها تكاد تكون من البديهيات. فالأديان مادامت تقوم على الإيمان القلبى والاقتناع العقلى، فإنها تفترض مقدماً وجود الحرية، فلا إيمـــان دون اقتناع، ولا اقتناع دون تفكير، ولا تفكير دون حرية، ولهذا، حق للقرآن أن يستنكر.. «أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ». وصرح بالمبدأ.. «لاَ إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَىِّ»، واعتبر الرسول أن «الأعمال بالنيات»، كما قرر الفقهاء أن «النية» شرط لسلامة الشعائر وهذه كلها، أعنى النية، والإيمان تتنافى مع وجود أى صورة من صور الضغط والإكراه ومن ثم تفترض وجود الحرية.
وفى كتابنا الموجز: «لست عليهم بمسيطر: قضية الحرية فى الإسلام»، قلنا: إن الحرية فى المجتمع الأوروبى تنبع من الإنسان، وإنها فى الإسلام تنبع من الحق، ولكن هناك حرية واحدة ليس للحق وصاية عليها، لأنها هى الطريق إلى التعرف على الحق «ومن ثم فلا يكون له وصاية عليها، هى حرية الفكر».
ولم نجد حرجاً من أن نفرد فصلاً تحت عنوان: «ضمانات الحرية فى مواجهة الحق»، لأن تجربة البشرية كانت دائماً أن يحيف الحكام والسلطان على الحرية بدعوى الحق، ومن هنا فإن الإسلام فى الوقت الذى قرر فيه حرية الاعتقاد وفتح بابها على مصراعيه، فإنه أوجد ضمانات تحول دون الافتيات عليها بدعوى هذه الحقوق.
ويستشعر المفكر المسلم أعظم الأسى عندما يجد أن الآيات القرآنية، والمواقف النبوية، وطبيعة الأشياء كلها تدعو إلى حرية الفكر، ومع هذا فإن الإحساس بالحرية فى فكر الفقهاء والعلماء المسلمين ضحل، ويكاد يكون منعدماً، يستوى فى هذا المحدثون جنباً إلى جنب القدماء، فبقدر ما يتحدثون عن الحرية، بقدر ما يتضح أنهم إنما يعنون بها حريتهم وليس حرية الآخرين.

  بقلم   جمال البنا    ٥/ ١٠/ ٢٠١١

المالكي والعراق إلى أين؟



منذ عقود لم يُخرِج نظام عراقي شهوداً على شاشات التلفزيون إلاّ كانوا شهود زور، وذلك من أجل فبركة تهمة على خصم سياسي.

كل شاهد يخرج من «أقبية» التحقيق إلى شاشات التلفزيون يجب ألاّ تُقبل شهادته سواء أكانت زوراً بالكامل أم كانت تحمل بعضاً من حقيقة، وكثيراً من الإضافات المفبركة، فهي لا يمكن إلاّ أن تكون كذلك.

كيف يعقل أن ينتقل شاهد كان قبل دخوله غرفة التحقيق مناضلاً صلباً، أو كان معاوناً موثوقاً به، بسبب شدّة إخلاصه وعمق قناعته، وإذ به ينقلب 180 درجة على كل ذلك بين ليلة وضحاها، أو إذا به يعلن «مقتنعاً» بأنّه كان إلى أمس أداةً ومخدوعاً، وقد تكشفت له الآن الحقيقة، طبعاً تحت العصا ولسع الكهرباء، وتحت ما يمكن أن يقال ولا يقال.

كيف يمكن لمثل هذا الشاهد أن يحظى بأيّ صدقية، أو أن يُستند إلى ما يقول، بل كيف أن تقام دعوى كاملة ضدّ المستهدَف، أو يُفتح صراع سياسي قد يشمل الآلاف وعشرات الآلاف.

إنّ إسقاط هذه اللعبة يُشكّل ضرورة لاختصار الكثير من الصراعات ولإظهار النيّات الخبيثة، والمؤامرات الماكرة، فلا يُسمح لمن وراء التزوير أن يخفي أهدافه الحقيقية، وذلك بإلقاء المسؤولية على خصم مستهدَف ليجعله المعتدي والبادئ، فيستخفي المعتدي الحقيقي وما يُخبّئ في جعبته.

الآن، إذا توقّفنا أمام الدعوى التي أقامها نوري المالكي رئيس وزراء العراق على نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي من خلال شهود جاء بهم من حرس الهاشمي ومساعديه إلى التلفزيون، فمن البداية يجب إسقاط تلك الدعوى ورفضها باعتبار شهودها شهود زور وقد خرجوا من أقبية التعذيب للتو، أو كانوا من المدسوسين السريّين عليه أصلاً.

من الناحية السياسية اشترك كل من المالكي والهاشمي باحتضان الإحتلال الأميركي لهما، وكلاهما تعاون، بهذه الصورة أو تلك، مع الآخر في اللعبة السياسية التي جرت تحت حراب الاحتلال الأميركي للعراق، الأمر الذي يجيز، من ناحية من النواحي، ألاّ يَعْبَأ المرء بهذا الصراع تحت نظرية «فخار يكسّر بعضه»، فطارق الهاشمي لا يُدافَع عنه حين يظلمه المالكي بشهود الزور.
ولكن السؤال الكبير ما الذي دفع المالكي، بعد زيارة لأميركا، إلى فتح معركة ضدّ طارق الهاشمي عبر شهود زور يتهمونه بتشجيع أعمال إرهابية وما شابه؟ الأمر الذي يتهدّد كامل العملية السياسية التي تشكلت تحت الاحتلال، ومن ثم إدخال العراق في مرحلة جديدة يتكرّس فيها تقسيمه على أسس طائفية وإثنية تنـزع عنه عباءة العملية السياسية التي حافظت على وحدة العراق شكلياً، ورمت إلى التخفيف من حدّة إقامة السلطة والدولة فيه على أساس من المحاصصات الطائفية والإثنية.
مهما جيء من مسّوغات وتفسيرات لخطوة المالكي إلاّ أنّها دمّرت، موضوعياً، العملية السياسية التي كانت أطراف الكتلة العراقية جزءاً أساسياً وضرورياً فيها.
لا يُحكم على السياسة من خلال النيات، ولا تقيّّم السياسات الخاطئة بما وراءها من مقاصد، وإنما من خلال مدلول الممارسة كما من خلال النتائج المترّتبة، فعندما تقوّم خطوة المالكي بأنّها ذاهبة إلى تقسيم العراق أكثر مما هو مقسّم الآن، يُنظر إليها موضوعياً وعملياً وبما ستؤدّي إليه من نتائج.
إنّ خطوة المالكي، عملياً، وبغض النظر عن النيّات والمقاصد، دمّرت سفنه مع طارق الهاشمي وحلفائه، ومع الأكراد الذين دلّت تصريحاتهم على تعاطف مع الهاشمي، وقد انتقل إلى الاحتماء في إقليم كردستان علناً. هذا وصرّح جلال طالباني رئيس الجمهورية أنّ ما اتخذه المالكي من إجراءات ضدّ الهاشمي يمسّ «هيبة الرئاسة»،
يعني أصبح العراق الآن ثلاثة أطراف وثلاثة أقاليم - دول على المكشوف، ولم يبقَ إلاّ إعلان الطلاق سواء أكان بالتراضي أم كان بفرض أمر واقع، أم كان من خلال حرب أهلية داخلية دامية.
الخلافيات بين المالكي وجبهة الهاشمي- العلاوي - المطلك ليست جديدة أو مستجدّة، فالوفاق الذي تمّ منذ تشكيل الحكومة حتى الآن كان العباءة التي تلف تلك الخلافيات وتهدّئ منها، فما قام من اصطفاف للتحالفات والمواقف جرى خلال السنتين الماضيتين ضمن عباءة ذلك الوفاق.
ومن هنا ينشأ السؤال لماذا الآن فجّر المالكي هذا الخلاف باتجاه القطيعة؟ وما المشروع الذي يحمله المالكي من وراء هذا التفجير؟ أو المشروع الذي تؤدي إليه خطوته عملياً؟
لا شك في أنّ انسحاب قوات الاحتلال الأميركي بفضل المقاومة، بصورة رئيسية، (طبعاً ثمة عوامل أخرى) قد أدخل الوضع في العراق أمام مرحلة جديدة تتطلّب إعادة تشكيل إجماع وطني يحافظ على وحدة العراق، وعلى هويته العربية والإسلامية، ويعيد بناء الدولة على أسس بعيدة من المحاصصة الطائفية الظالمة والمدمّرة التي تكرّست في ظل الاحتلال الأميركي للعراق.

بكلمات أخرى لم يعد من الممكن للوفاق السابق أن يستمر في معادلته السابقة بعد خروج قوات الاحتلال الأميركي، أو قل لم يعد من الممكن للمالكي أن يحكم العراق الموحّد كما كان يفعل في ظل الاحتلال الأميركي. ولهذا كان أمامه طريقان، قل للوهلة الأولى، طريق إعادة تشكّل إجماع وطني على أساس إقامة معادلة داخلية بين مكوّنات الشعب في العراق أكثر عدالة وأقرب للمساواة المواطنية، الأمر الذي يعني، ضرورة، تنازل المالكي ومناصريه لبعض أو لكثير من الامتيازات والصلاحيات التي تمتعوا بها في ظل الاحتلال.
أما الطريق الثاني الذي اختاره المالكي فيتمثّل في تفجير معادلة الوفاق السابقة باتجاه التقسيم الإقليمي للعراق بحيث يحافظ، كما يبدو، على حصة الأسد فيه، ويترك إقليمين، الأول الأقليم الكردي ويمكن رشوته بإضافة كركوك إليه ليعلن دولته المستقلة، وما يتبقّى فليقتسمه من يقتسمه، أو فليترك للفوضى.

طبعاً لا يمكن أن يعترف المالكي أنّه فتح المعركة مع الهاشمي وحلفائه، وبصورة غير مباشرة مع الأكراد، لتحقيق الهدف آنف الذكر، فما من أحد دخل حرباً طائفية وذهب إلى تقسيم طائفي وإثني للبلد معلناً أنّ هذا ما أُريد، وإنّما يفعلها وهو يشجب الطائفية ويؤكد على تمسكه بوحدة البلد والشعب. ولهذا يجب قراءة السياسة في مثل هذه الحالات من خلال ما يفعله المرء وما يقوله في الكواليس، وليس ما يعلنه أو ما يلفقه من تهم للطرف المعني، أما شهود الزور فموجودون دائماً عند الطلب.

إذا ذهبت الأمور في الإتجاه الذي أخذ المالكي يفرضه فنحن أمام انقلاب جديد في معادلة ميزان القوى عراقياً وعربياً وإقليمياً، لا سيما من جهة تحوّل إقليم كردستان إلى دولة كردية مستقلة إلى جانب تركيا وإيران وسوريا


لكي نفهم الشرق الأوسط


كيف يتسنى لنا أن نستوعب ونفهم الأوضاع السائدة في الشرق الأوسط؟ الأمور تتغير بسرعة قياسية  كما أنها تسير في اتجاهات مختلفة إن لم نقل متناقضة ومتضاربة. إذا أرَدنا الحقيقة، فدائما ما بدت الأمور في الشرق الأوسط معقدة بل في غاية التعقيد، إلا أن إيجاد تفسير مقنع لما يحدث حاليا بات أمرا بعيد المنال ويزداد صعوبة مع كل يوم جديد تطلع فيه الشمس.

 على أرض الواقع، نشهد ظهور قوى فاعلة متعددة الانتماءات، كما تتجلى أمامنا تحدّيات مختلفة ومصالح  متناقضة؛ ما يجعلنا لا نستغرب من عجزنا على تفسير ما يحدث أو التكهن بنتائج الحركات الشعبية والتغيرات السياسية التي تشهدها حاليّا المنطقة العربية. فمن جهة، نرى بأن الديناميكيات الوطنية الجوهرية قد خلقت بين القوى المختلفة حالة توازن جديدة، وهذه الحالة أصبحت تترك آثاراً عميقة في كلّ من مصر، ليبيا، اليمن وفي سوريا، وأيضا في تونس والمغرب. ومن جهة أخرى، نجد دُولاً أجنبية مثل: الولايات المتحدة، إسرائيل، الدول الأوروبية، الصين، روسيا وحتى تركيا وقطر متورطة في الوضع، بكيفيّات مختلفة وعلى مستويات متعددة. إمّا بمحاولة التأثير في الأحداث  الجديدة والدفع بها إلى المزيد من التطور والحركية، و إمّا بمحاولة السيطرة عليها وتقييدها بكل الوسائل الممكنة -وعلى قدر المستطاع- وهذا حسب المصالح الإيديولوجية، أو الاقتصادية، أو السياسية لكل واحدة من هذه الدول.

نحن نتذكر كيف خرج الملايين من الأشخاص، في تونس ومصر واليمن والبحرين وليبيا وسوريا، للمناداة والمطالبة   بالحرية والعدالة. النتائج الأولية للمنافسة السياسية في كلٍّ من تونس والمغرب (حيث تم استحداث العديد من الإصلاحات لتجنب حدوث ثورة شعبية) وكذلك في مصر؛ أظهرت تقدما واضحا للإسلاميين. البعض يعتقد، وفي خضم استحواذ الإسلاميين على أغلبية المقاعد السياسية؛ أن الثورات الشعبية قد أُجبِرت على تغيير مسارها. فيما يرى آخرون ضرورة احترام هذه النتائج ويطالب بالمحافظة عليها، باعتبارها نِـتاجُ عملية ديمقراطية حقيقية وتاريخية. اليوم نجد أنفسنا أمام حقيقة لم يعُد مُمكنًا تجاهلها أو إخفاؤها: يبقى الإسلاميون في هذه الدول التي تقطنها أغلبية مسلمة؛ أكبر القوى السياسية وأكثرها حضورا على الساحة الشعبية. شئنا أم أبينا، يحظى  الإسلاميون بشرعيّة تاريخية باعتبارهم أصحاب فضل في معارضةٍ جعلتهم يدفعون أكبر وأغلى ثمن من أجل الوقوفِ ضد الدكتاتورية السائدة إلى وقت قريب في المنطقة العربية، والعملِ على إزالتها: فقد شهد تاريخ نضالهم، الذي استمر لأكثر من نصف قرن، كل أنواع الترهيب والقمع؛ من سجون وتعذيب ونفي وإعدامات علنية وسرية. إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ما الذي يمكن أن نتوقع حدوثه في هذه الدول التي اختارت الدفع بالإسلاميين للحكم؟ والسؤال الأهم: كيف سيتسنى للقوى الكبرى الفاعلة في عالمنا هذا السيطرة على الواقع الجديد الذي أفرزته الانتخابات الأخيرة؟

سيكون من السذاجة المبالغ فيها أن نعتقد أو أن نظن أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية والصين وروسيا وحتى تركيا باقيةٌ مكتوفة اليدين ودون تدخّل بشكل أو بآخر في ما يجري من منافسة (واتفاقات سياسية وتنازلات  متبادلة) بين الإسلاميين والعسكر وحلفائهم التقليديين. من جهتها إسرائيل لن تسمح أبدا من أن ينحصر دورها في دور الـمُشاهِد غير المؤثر فيما يحدث في الشرق الأوسط. سنَدُها الأكثر قوة وإصرارا والمتمثل في الولايات المتحدة يعمل ليل نهار وبكل ما أوتي من قوة وإمكانيات على فرض السيطرة بشكل أو بآخر على الأوضاع السائدة في الشرق الأوسط.

-       ما طبيعة الاتفاقيات المفترضة: ما بين الحكومات الغربية والشرقية وبين مختلف الجيوش التابعة لهذه الدول والإسلاميين؟ الجميع يعلم وقبل إجراء الانتخابات أن تلك الأحزاب الإسلامية القديمة والتي دائما ما كانت تُظهَر في صورة شيطانية، سوف تفوز بالانتخابات في تونس والمغرب ومصر دون أن يعمل أيّ من تلك الأطراف المؤثرة على منعها من الفوز والظهور كقوة سياسية فاعلة. فلماذا فضّلوا عدم التدخل؟

الإسلاميون تغيروا وحفظوا الدرس. منذ البداية ودائما ما كانوا على درجة كبيرة من البراغماتية (من المغرب إلى مصر إلى آسيا، مرورا بفلسطين) وقادرون على التأقلم مع التحديات السياسية الجديدة. يعلمون أن توازنات القوة في الشرق الأوسط تسير نحو التغيير والتبدل، وهم يُسيِّرون الأمور وفق المعطيات الجديدة. مع هذا فهُم يجدون أنفسهم أمام تطلعات ومطالب متناقضة: عليهم أن يظلوا أوفياء وملتزمين “بالمرجعيات الإسلامية” التي حملتهم إلى السلطة، وفي الوقت نفسه عليهم مواجهة الضغوطات الخارجية، والتي تحاول تقييم مدى ليونتهم والتزامهم باحترام العملية الديمقراطية ورؤيتهم الاقتصادية وكذا مواقفهم من إسرائيل. نحن نقرّ بأهمية النموذج التركي إلا أننا نظن أنه بعيد التحقق في الشرق الأوسط: الأمر يختلف إذْ أنّ دولة تركيا عاشت ظروفا تاريخية مختلفة عن نظيرتها في الشرق الأوسط ثم إنّ القوى الفاعلة في تركيا تبدو مختلفة عن نظيراتها العربية، والأمر مُشابه فيما يتعلق بالتحديات التي واجهتها وتواجهها تركيا وتلك التي نشهدها في البلدان العربية.

في العالم العربي، يبدو أن الوقت قد حان بالنسبة للإسلاميين؛ السعداء بنجاحاتهم الكبيرة في الانتخابات السياسية المتعاقبة، أن يشرعوا في التفكير في كيفية تسيير الفترة المقبلة. فقد يتعلق الأمر هنا ببداية المرحلة الأكثر حساسية في تاريخهم السياسي. قد يتعرضون لفقدان تلك المصداقية الدينية التي يتمتعون بها كمعارضة سياسية، أو قد يكون تحت الضغط الذي سيدفعهم إلى التغير والتأقلم مع الواقع السياسي الجديد إلى درجة تدفعهم إلى التخلي عن الجوهر المكوِّن لبرنامجهم السياسي أو التحول إلى مجرد شكل من النظم السياسية (والتي ستبدو بالتأكيد أقل فسادا وانحرافا من سابقتها) مغطاة ببعض الطلاء السطحي من المظاهر الإسلامية. إذا حدث هذا فيمكننا أن نصرح بالقول أن نجاحهم الذي تحقق مؤخّرًا ما هو إلا بداية لنهايتهم.

يعتبر ما يحدث الآن في الشرق الأوسط أمرا في غاية الأهمية والتعقيد في آن واحد ويتعلق الأمر بشكل واضح  بمرحلة تحول عميقة وعسيرة تعيشها المنطقة. في ليبيا وخلف الكواليس نرى كيف تقوم مجموعة من الحكام الجُدد والافتراضيين وكذا نُظرائهم الغربيين، الذين ساعدوهم بتدخلاتهم العسكرية للوصول إلى الحكم، بالسيطرة على مستقبل البلاد. الشفافية بعيدة عن أن تصبح حقيقة في البلاد، فما يفترض أن يكون تدخلا من أجل “دوافع إنسانية” لم يكن إلا بدافع من المصالح الجيوستراتيجية التي تبدو لنا حاليّا، وبعد مرور الوقت، في منتهى الدقة والوضوح. ما كنا نتوقع حدوثه منذ وقت قريب أصبحنا الآن شهداء عليه. لا أحد يعرف كيف سيصاغ المستقبل في سوريا؟ الشعب السوري يرفض التخلي عن معركته؛ الآلاف من الأبرياء يُقتلون على يد عصابات النظام الديكتاتوري. حاولت إسرائيل والولايات المتحدة والدول الأوروبية وكذا إيران تجنّب النقاش بخصوص إمكانية تغيير نظام الحكم في سوريا، مع هذا فإن الواقع يؤكد عدم وجود خيار آخر أمام هذه الدول. هذا هو السبب الذي يجعل الوضعية المعقدة للشرق الأوسط تبدو مُربِكة ومثيرة للحيرة: تتميز هذه الوضعية بوجود كمّ هائل من عوامل الصراع.

 إذا سقط النظام السوري فستتحول إيران، حليفته الإستراتيجية في المنطقة، وبشكل متناقض، إما لخطر داهم أو لهدف أكثر سهولة وفي متناول هجمة قادمة من الغرب باعتبار أن ميزان القوى والتحالفات سيكون قد تغيّر وسقط. الحملة الدعائية الأخيرة ضد إيران يجب أن تُفهم وتُستوعب من هذا المنطلق ووفقا لهذا الواقع الخاص. لقد بدأت الحملة عندما طلب السعوديون من أمريكا أن “تقطع رأس الأفعى”، ثم مع محاولة الاغتيال المزعومة في الولايات المتحدة (يطلبون منا أن نصدّق أن إيران كانت تنوي اغتيال السفير السعودي في نيويورك!)، ثم باستعمال الاعتداء الذي حدث ضد السفارة البريطانية في طهران كمحاولة جديدة؛ تهدف لخلق تحالف دولي ضد إيران. في هذه الأثناء تحاول إيران التحرك على مستويات عدة ومختلفة كما تبنَّت إستراتيجية متعددة الأبعاد: تحاول إيران الحصول على الدعم كما تسعى لإقامة علاقات ترقى لمستوى الثقة، وهذا في حدود المنطقة وعلى مستوى العالم. العقدة تزداد إحكاما والوضع يصبح كل يوم أكثر إثارة للقلق بالنسبة للنظام الحالي. رغم نقص الحرية والشفافية على المستوى الوطني فإن إيران تظل تسيطر على الوضع بامتلاكها لبعض الحلفاء ولعددٍ من الأوراق القوية والرّابحة. هل سنشهد ظهور قوى ديمقراطية عالمية وشعبية قادرة على التعبئة من أجل تغيير نظام الحكم في إيران أم أن الأمر سيتحول إلى جبهة جديدة مفتوحة على الحرب؟ الأكيد أن لا شيء مؤكدا في أيامنا هذه.

أيًّا كان المستقبل في هذا الشرق الأوسط الممتلئ بالانقلابات والاضطرابات السياسية، فإن القوى السياسية الجديدة الفاعلة ستُحاسب من طرف “المجتمع الدولي” وفق ثلاث مقاييس ذات أولوية أساسية: ستحاسب عن نوع النظام والقواعد الاقتصادية التي ستعمل وفقها، ستُسأل وستُحاسب عن موقفها من إسرائيل، بالإضافة إلى موقفها من الانقسامات الشيعية السنية في داخل البلدان ذات الأغلبية المسلمة.    أن نفهم الشرق الأوسط يعني أن نُبقي هذه العوامل الثلاثة في الذهن وبعين الاعتبار. بالنسبة لبعض المسائل  فبإمكان الإسلاميين إظهار ليونة وفعالية قد تتجاوز التوقعات (بالتأكيد باستثناء ما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي) في الوقت الذي تتعرض فيه جغرافية الشرق الأوسط إلى تغييرات جذرية. مع هذا، كان الأمر يتعلق  بالسياسة أو لا، فإن الشعوب المسلمة مطالبة بمواجهة هذا الواقع المتأزم والمخيف. أكبر التحديات التي تواجه الشعوب المسلمة ترتبط بالصراعات الداخلية وبالخصوص بما يتعلق بالتقسيم والمنافسة ( غير الصّحية تماما) بين السنة والشيعة. يتعلق الأمر هنا بواحدة من المسائل الأكثر أهمية في عصرنا هذا فلا يمكن أن نلوم غيرنا من كونهم أكثر قوةً وانتصارا؛ في الوقت الذي نتحمل فيه المسؤولية المباشرة والكاملة فيما وصلنا إليه من ضعف وخذلان وانهزامية.

الكاتب: طارق رمضان. ترجمة: فافة الشيخ صالح. مراجعة لغوية: يحيى الأطرش
موقع "يقظة فكر" 

أشهر مقالات "روبرت فيسك" لعام2011

نشرت صحيفة (جارديان) البريطانية اليوم أكثر المقالات قراءة للكاتب والمحلل السياسي الشهير"روبرت فيسك"، المختص بشئون الشرق الأوسط والتي  حازت الاهتمام العالمي، وهو ما كشفه استطلاع الصحيفة حول أكثر المقالات قراءة وتعليقا.
وتعتبر مقالة فيسك بعنوان "سكرات موت الديكتاتورية في مصر"، بتاريخ 30 يناير، وقبل تنحى الرئيس المصري السابق حسني مبارك، أكثر هذه المقالات قراءة وتعليقا، والتي تناول فيها بوادر دعم الجيش للشعب ضد نظام مبارك.
وتلتها مقالة "الحقيقة حول وحشية تونس" بتاريخ 17 يناير, وقال فيها فيسك إن إراقة الدماء والدموع لا جدوى منها في تحقيق الديمقراطية بالرغم من سقوط  الديكتاتور "زين العابدين بن علي".
وتأتي مقالة "أولا صدام حسين ثم القذافي, من سيكون طاغية الغرب المفضل" في المرتبة الثالثة بتاريخ 19 مارس, أي قبل وفاة الزعيم الليبي معمر القذافي وبعد أيام من موافقة مجلس الأمن الدولي, لحماية المدنيين في ليبيا من القوات الموالية لمعمر القذافي.
وحازت مقالة فيسك بعنوان "هل باكستان خائنة لأنها كانت تعلم مكان بن لادن؟" إعجاب القراء والتي أكد بها أن "أسامة بن لادن" أصبح لا وجود له, لأن الثورات الجماهيرية في العالم العربي, تعني أن تنظيم القاعدة مات بالفعل سياسيا.
وتليهم مقالة "من يهتم في الشرق الأوسط بما يقول أوباما؟" والتي أكد فيسك بها أن الرئيس أوباما ظهر ضعيفا في تعاملاته مع الشرق الأوسط هذا العام والذي سيؤدي بالضرورة إلى ضعف النفوذ الأميركي في المستقبل.
ثم مقالة "كيف يمكن إبعاد مستشار أن يسقط "محمود أحمدي نجاد"؟" والتي تناول فيها فيسك أسباب الاستقالة المحتملة للرئيس الإيراني "أحمدي نجاد"، بسبب الأزمة السياسية التي تورط فيها الأصدقاء المقربون منه.
وأعجب القراء بمقالة "10 أعوام، ونحن نكذب على أنفسنا متجاهلين السؤال الحقيقي" والتي ناقش فيها فيسك التقرير الرسمي عن أحداث يوم 11 سبتمبر متسائلا عما إذا كان قد قيل لنا الحقيقة حول ذلك اليوم الذي غير العالم إلى الأبد.
وتعد مقالة "لن يكون الشرق الأوسط نفسه مرة أخرى" من أقوى المقالات التي توقع بها فيسك أن الدولة الفلسطينية لن تنجح في إقامة دولة فلسطينية وتصبح عضوا في الأمم المتحدة.
وأشار فيسك في مقالته القوية "هل يمكن توجيه اللوم للقذافي لاعتقاده أنه واحد من الرجال الصالحين" إلى أن القذافي كان ضابطا يعرف بالحبيب في وزارة الخارجية بعد الانقلاب ضد الملك إدريس، ثم أصبح مكروها لأنه أرسل أسلحة إلى الجيش الجمهوري الأيرلندي, فتساءل فيسك "هل يمكن إلقاء اللوم على القذافي لأنه كان يفكر أنه رجل صالح؟
".


أمانى زهران
http://www.alwafd.org/

الثورة السورية والبنية الإقليمية الشيعية



كان عالم الاجتماع العراقي الراحل الدكتور علي الوردي (1913-1995) من الباحثين العرب الجادين الذين حاولوا فهم الإشكال السني الشيعي بمنطق التحليل التاريخي، بعيدا عن النفَس الطائفي.

فقد أوضح الوردي في دراسته لنفسية الفرد العراقي كيف يتحول الدين أحيانا في السياق الطائفي الملتهب إلى هوية مغلقة ومجردة من أي التزام أخلاقي، وتوصل إلى أن الإنسان العراقي "أقل الناس تمسكا بالدين، وأكثرهم انغماسا بين المذاهب الدينية، فتراه ملحدا من ناحية وطائفيا من ناحية أخرى" (علي الوردي: شخصية الفرد العراقي، ص 47)، لقد "ضعفت نزعة التدين في أهل العراق وبقيت فيهم الطائفية: حيث صاروا لا دينيين وطائفيين في آن واحد، وهنا موضع العجب" (علي الوردي: وعاظ السلاطين، ص 260)


وتذكرنا ملاحظات الوردي هنا بقول الكاتب الأيرلندي جوناثان سويفت (1667-1745): "لدينا من التدين ما يكفي ليبغِّض بعضَنا إلى بعض، لكن ليس لدينا منه ما يكفي ليحبِّب بعضنا إلى بعض".

وقد يكون في حكم الوردي هنا تعميم مجحف، فالتعصب الديني الممزوج بضعف التدين ليس عاما في أهل العراق، ولا هو خاص بالعراقيين دون الشعوب الأخرى. لكن الوردي يلفت النظر إلى ظاهرة عامة جديرة بالتأمل، وهي تحوًّل الأديان والمذاهب الدينية أحيانا إلى مجرد هوية وعصبية سياسية متجردة من أي مغزى أخلاقي أو رسالة إنسانية.

وتنطبق هذه الظاهرة على حكام دمشق اليوم أكثر من أي حكام عرب آخرين، فهم يجمعون بين انعدام التدين والتعصب الطائفي الذي يصل حد الفاشية.

لكن الأكثر إثارة في نظرات علي الوردي -وهو المنحدر من أسرة شيعية- هو تحليله للتشيع باعتباره مخزونا نفسيا واجتماعيا. فقد شبّه الوردي التشيع بالبركان الخامد الذي يُتوقع ثورانه في كل لحظة، فكتب منذ عقود يقول: "إنهم (الشيعة) اليوم ثوار خامدون، فقد خدرهم السلاطين، وحولوا السيوف التي يقاتلون بها الحكام قديما إلى سلاسل يضربون بها ظهورهم، وحرابا يجرحون بها رؤوسهم، ومن يدري فقد يأتي عليهم يوم تتحول فيه هذه السلاسل والحراب إلى سيوف صارمة من جديد... إن موسم الزيارة في كربلاء يمكن تشبيهه بموسم الحج لكثرة الوافدين إليه، هذا ولكن الزيارة الشيعية تختلف من بعض الوجوه عن الحج، إذ هي تحمل في باطنها بذرة من الثورة الخامدة، ومن يشهد هرج الزوار في كربلاء يدرك أن وراء ذلك خطرا دفينا... شبهنا التشيع في وضعه الراهن بالبركان الخامد، فهو قد كان في يوم من الأيام بركانا ثائرا، ثم خمد على مرور الأيام، وأصبح لا يختلف عن غيره من الجبال الراسية إلا بفوهته والدخان المتصاعد منها، والبركان الخامد لا يخلو من خطر رغم هدوئه الظاهر، إنه يمتاز على الجبل الأصم بكونه يحتوي في باطنه على نار متأججة، ولا يدري أحد متى تنفجر هذه النار مرة أخرى." (الوردي: وعاظ السلاطين، ص 255).

ومن الواضح أن البركان الشيعي الخامد الذي تحدث عنه الوردي منذ عقود قد انفجر انفجارا مدويا، وألقى بحممه إلى أصقاع بعيدة. وكانت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 والانفجار الطائفي الدموي في العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003 تحقيقا لنظرات الوردي الصائبة.

فقد فتح البركان الخامد فوهته على مصراعيها، فغطى إيران بلهبه، وألقى بحممه فأحرق العراق، وامتد حريقه إلى بلدان أخرى عديدة. ولا يكفي تفسير هذا الانفجار البركاني بظلم الشاه أو بدور الاحتلال الأميركي للعراق-رغم خطورتهما- فقد عانت شعوب عديدة من الاستبداد ومن الاستعمار فلم تكن ثمرات ذلك انفجارا بهذه الروح والمزاج، وإنما يحتاج الأمر إلى أخذ ذلك المخزون النفسي الذي تحدث عنه الوردي في الاعتبار.

وقد نال سوريا حظها من انفجار البركان الشيعي الخامد، لكن هذا البركان لم يثر في سوريا في صيغة ثورة مدوية على النمط الإيراني، أو في صيغة حرب أهلية على النمط العراقي، وإنما اتخذ في سوريا صيغة تسرب هادئ إلى قمة الجبل، وتحكمٍ فيها دون ضجيج، وإنما أسفر الإحياء الشيعي في سوريا عن وجهه البركاني في مذابح حماة وتصفيات سجن تدمر المروعة.

وربما كان الشيعة اللبنانيون الذين تحول بركانهم إلى سياط في ظهر إسرائيل هم الاستثناء الذي لم تتجه حمم بركانه إلى الداخل العربي المسلم بشكل عنيف، رغم المناوشات التي بدت على السطح من حين لآخر.

وبدخول إيران في حلف مع سوريا مطلع الثمانينيات، ثم انضمام العراق إلى ذلك الحلف بعد ثلاثة عقود، وانبعاث الشيعة اللبنانيين -بصعودهم الاجتماعي وريادتهم في مقاومة إسرائيل- اكتملت حلقات ما دعاه والي نصر "صحوة الشيعة" في كتابه المعنون بهذه العنوان، واستحكمت حلقات بنية إقليمية شيعية قوية، تمتد من طهران إلى بيروت، مرورا ببغداد ودمشق.

بيد أن هذه البنية التي تحولت تمددا إيرانيا في الفراغ الإستراتيجي العربي لم تحسن التعامل مع أهم حدث في تاريخ العرب الحديث، وهو ربيع الثورات العربية الذي نعيشه اليوم. لقد استغرب كثيرون من أهل الرأي والقلم -ومنهم من يمقُت الطائفية كما أمقُتُها- إجماع الأطراف الإقليمية الشيعية اليوم على الاصطفاف مع نظام الأسد في فظائعه ضد الشعب السوري:

* فقد وقفت إيران بعنجهية وعناد مع نظام الأسد الذي اعتبرته حليفا لا يمكن التفريط فيه، ولم ترفَّ أجفان القادة الإيرانيين ولا رقت قلوبهم أمام مشاهد الشباب السوري الذي تحصده آلة الموت الأسدية حصدا. والعجب أن تحاول إيران القيام بدور الغرب الاستعماري في حماية الدكتاتورية في وقت اضطر فيه الغرب نفسه إلى الخجل من هذا الدور القذر والتملص منه.

ليس من ريب أن هذا دليل على تخلف الحكام الإيرانيين في قراءتهم للمسار التاريخي الذي تتجه إليه المنطقة اليوم، وجهلهم بعواقب ذلك على دولتهم الصاعدة التي يتقاذفها الأعداء من كل جانب.

* وتحول حسن نصر الله إلى بوق للنظام الدموي في دمشق، وأصبح الرجل الذي كان ملهما للشباب العربي وجها باهتا من حماة الطغيان ودعاته، فغدت طلعاته الإعلامية تسويغا للظلم وتشريعا للقتل، بعد أن كانت بالأمس القريب بريق أمل في بحر من ظلمات الهوان. وكما هو حال إيران فقد ركب حزب الله المهالك في وقوفه إلى جانب القتلة في سوريا، إذ رجح مصلحته التكتيكية في الحلف مع نظام الأسد على مصلحة إستراتيجية أكبر هي الالتحام بعمق شعبي سوري وعربي توفره له الثورات.

* أما القوى الشيعية في العراق فقد تردد موقفها بين الصفاقة التي برر بها مقتدى الصدر دموية الأسد واتهم الثوار السوريين بالطائفية -ربما من باب قول العرب: "رمتني بدائها وانسلت"- إلى الموقف المراوغ الذي تبناه نوري المالكي مراعاة لتوازنات السياسة الداخلية العراقية.

لقد تناسى المالكي كل صراعه مع حكام سوريا، واتهامه لهم بدعم المقاومة العراقية، حينما أصبح ما يعتبره مكسبا طائفيا في خطر، وهو حكم العلويين لسوريا. وقد نهج المالكي في الفترة الأخيرة نهج الغموض الإستراتيجي في القضية السورية، فهو يجامل الداخل العراقي والجامعة العربية بجمل منمقة حول أهمية السلم الأهلي في سوريا، ويسعى لإنقاذ حكم الأسد المتداعي بكل ما يملك.

إن الاستبداد هو الذي فرق بين السنة والشيعة، وبين العرب والإيرانيين، وهو استبداد قد يلبس عمامة فقهية أو خوذة عسكرية، لكنه هو الاستبداد ذاته بوجهه القبيح. ولن يجمع بين الطرفين سوى الحرية والاعتراف بحق الاختلاف. فلن يسعف الأسدَ الملطخ اليدين بدماء شعبه أن يسحب العلويين إلى حرب أهلية مع شعبهم، أو يتترس بحلف إقليمي مذهبي لا يملك من الانتماء إليه سوى الاسم والمصلحة الأنانية. ولن يكون الرد المناسب على اصطفاف البنية الإقليمية الشيعية وراء مصاصي الدماء في دمشق هو اصطفاف إقليمي سني مقابل، بل الرد الحقيقي هو ما رد به ثوار سوريا من نقض المنطق الطائفي، والتصميم على تحقيق دولة الحرية والعدل للجميع مهما يكن الثمن. فليس يهم مذهب الظالم أو مذاهب المظاهرين له، وإنما المهم هو الأخذ على يد الظالم، وقسره على الحق والعدل قسرا.

ربما يكون قدَر بلاد الشام -الجميلة بتاريخها وأهلها- أن تكون مركز تجاذب أبدي. فقد تنازعها الفرس واليونان، ثم الفرس والرومان، ثم العرب والروم، ثم الترك والفرنجة، ثم الترك والروم، ثم الفرنسيون والإنجليز.. وكانت -ولا تزال- موطن تنازع طائفي وثراء ديني وثقافي كثيف.

لكن الربيع العربي الحالي فرصة تاريخية للمصالحة مع الذات ومع الغير، بميلاد فضاء من الحرية يسع الجميع، بما في ذلك تمكين الشيعة من الخروج من أسر المظلومية والذاكرة الموتورة إلى الاندماج في جسد الأمة من جديد، دون خوف من الاضطهاد، أو تنازل عن الخصوصية الفكرية والفقهية.

فرط قادة الشيعة في إيران والعراق ولبنان فيما تحمله الثورات العربية من إمكان التئام الجرح الطائفي المزمن، وبناء دولة المواطَنة الرحبة التي لا مِنّة فيها لأحد على أحد، ولا تمييز فيها على أساس الدين أو المذهب

لكن مواقف القوى الإقليمية الشيعية من الثورة السورية يوشك أن يحول هذه الفرصة التاريخية إلى سراب. لقد تحول حامل راية المظلومية التاريخية إلى ظالم أو مُظاهِر للظلم، وفرط قادة الشيعة في إيران والعراق ولبنان فيما تحمله الثورات العربية من إمكان التئام الجرح الطائفي المزمن، وبناء دولة المواطَنة الرحبة التي لا منة فيها لأحد على أحد، ولا تمييز فيها على أساس الدين أو المذهب.

لقد سمعتْ البشرية كلها -عبر القنوات الفضائية والشبكة الإلكترونية- ذلك الرجل السوري الذي يأخذ بنياط القلوب، وهو يصرخ: "أنا إنسان.. ماني حيوان". وهو يذكرنا بالإفريقي الأسود في أميركا الستينيات الذي كان يحمل على صدره لافتة كتب عليها نفس الجملة البسيطة العميقة المؤلفة من كلمتين: "أنا إنسان". وهذا المدخل الإنساني هو الذي كان يتعين على قادة الشيعة أن يتدبروا به الثورة السورية. أما المثنوية والأنانية السياسية والكيل بمكيالين فهي أمور لا تصلح في التعاطي مع ثورات شعوب تسقي شجرة الحرية كل يوم بدمائها، وإنما يصلح للتعاطي مع هذه الثورات موقف أخلاقي صُراح لا ازدواجية فيه ولا التواء، موقف يُعاضِد كل الشعوب الطامحة إلى العدل والحرية، من صنعاء إلى حمص، ومن المنامة إلى طرابلس الغرب. موقف لا يرى في الإنسان العربي الثائر من أجل الحرية والكرامة سنيا أو شيعيا، مسلما أو مسيحيا، بل يرى فيه إنسانا مجردا، يسعى إلى الاعتراف بإنسانيته.

لقد أمسكت الشعوب العربية بزمام تاريخها، وهي مصممة على التخلص من الغزاة والطغاة والغلاة، سنة كانوا أو شيعة، مسلمين أو مسيحيين.. فهل يدرك حكماء الشيعة ذلك ويلتحموا بتيار التاريخ الجارف قبل فوات الأوان؟ وهل يتداركون مخاطر الهوة التي يقودهم إليها أسدٌ ظالم، مجروح الكبرياء، غارق في الدماء؟

محمد بن المختار الشنقيطي

الجزيرة نت

الأكثر مشاهدة

Trending Template