Pages


Affichage des articles dont le libellé est فكر. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est فكر. Afficher tous les articles

السلفيون سيتحكمون فى الفكر الإسلامى.. والأزهر لن يكون له دور يذكر


عقيرة البعض تعالت بتشميع التماثيل حتى لا نعبدها من دون الله، وهدم الكنائس لأنه يُعبد فيها غير الله، وفرض الجزية على المسيحيين لأنها شريعة عثروا عليها داخل الأنفاق المظلمة لتراثهم المنقول عن أسلافهم، ومنع سياحة الأجانب لأنهم يشربون الخمر ويرتدون المايوه على الشواطئ، وإلزام المصريات بالحجاب قسرا وإجبارهن لأنه شريعة الله، ودفع الناس لصلاة الجماعة لأنها هى الأصل، ولأن من يصلى فى بيته بلا عذر فيحق للإمام حرقه بالنار، وتحريم حلق اللحية بفرض غرامات على الحلاقين الذين يحلقونها لزبائنهم لأن حالقها يرتكب الحرام، وأحقية الزوج فى ضرب زوجته لتأديبها لأن زعمهم أملى عليهم بأن الشرع أباح له ذلك، وربوية البنوك وتحريم الفن وتحريم خروج المرأة، وغير ذلك مما تعلمونه من دروبهم التى يتصورها السذج إسلاما وشريعة.

بل لقد بلغت بهم الفوضى الفكرية تدشين لجماعات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، تلك الجماعات التى تكون مهمتها دفع الناس لأداء الفرائض وارتداء النساء للحجاب، ألا يفهم هؤلاء بأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان طواعية وخالصا لوجهه، كيف نقهر الناس على الطاعة وقد قال تعالى: «لاَ إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَىِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» البقرة.256 بل لقد جعل الله أخطر قضية وهى العقيدة فى حرية فقال تعالى: «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ... » الكهف .29

إن هذا التوجه البدوى ينذر بحرب أهلية بمصر، فمصر غير دول الخليج، والحضارة هنا أصيلة وليست مستوردة، عميقة وليست على السطح، فجماعات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هى جماعات التصدى للحضارة من منطلق المفهوم البدوى للشريعة.

وسوف تموج البلاد طولا وعرضا بالفوضى التى ستخلفها مناهج الفكر السلفى الوهابى على أرض الواقع، ولن يكون للأزهر دور يذكر اللهم إلا موقف المتفرج من بعيد، لذلك أتوقع عاما جديدا كئيبا على البلاد، ولن تتحرك السياحة من توقفها، فقد صنفت مصر كدولة راعية للفكر المتطرف، لذلك ستتجه السياحة العالمية بعيدا عن أرض الكنانة، لكن أبشروا يا من ملأتم صناديق الانتخاب ففاز الإخوان والسلفيون باختياركم لهم، فسيتم تصنيف دولى لمصر أعلى من رعاية الفكر المتطرف وهو رعاية الإرهاب، فأعضاء مجلسكم الموقر يرون البطولة والفداء فى أمثال بن لادن والظواهرى اللذين قتلا من المسلمين أكثر ممن قتلوا من غيرهم، وقتلوا من النساء والأطفال أكثر ممن قتلوا من الرجال، وقتلا من المدنيين أكثر ممن قتلوا من العسكريين ومع هذا فقد رأينا صورته - رحمه الله - عالية فى جمعة قندهار بميدان التحرير، ولم يرفعها إلا ناخبوكم.

ولسيطرة السلفية على الأزهر فهم يقولون دوما بضرورة استشارة مجمع البحوث الإسلامية، وهذا ما أحذر منه وأنبه - بشدة الأب الحانى - على تتبعه ووأده، فأكثر رجال الأزهر باتوا يناوشون لأجل معايشهم من فرط إهمال الدولة لهم، لهذا فقد ارتموا فى أحضان وهابية العصر المسماة بالسلفية لأجل خاطر البترودولار عسى أن يصيبهم الله من نفحاته.

∎ عبث وهابى
إن العمل ضد الثورات الشريفة هو دأب دول بالمنطقة كانت تستفيد دوما كلما ضعف نظام الحكم بمصر، وهل كان للصوت السلفى أن يرتفع إلا بأموال تتدفق باستمرار لنشر الفكر الوهابى عبر الأقمار الصناعية، فبعد أن كانت السلفية تُحرِّم التلفاز، أصبح أتباعها ومشايخها نجوما به، إن الأموال التى يتم دفعها لنشر الدعوة الوهابية على القمر الصناعى (نايل سات) كلها بترولية.

وبعد أن كانت الديموقراطية بدعة وضلالة صارت حلالا بلالا وعذبا فراتا؛ ثم وفجأة أصبح رجال السلفية فى مقدمة المرشحين لمجلس الشعب، هكذا بلا تأهيل سياسى ولا فهم قانونى أصبحوا فى صدارة المشهد التشريعى بالبلاد؛ فهل هذا من الإخلاص لدين الله أم للإخلاص فى الوثوب على كعكة الحياة.

وهل الاستيلاء على الأزهر هو أحد الأطماع التى تعمل لأجلها دول تعمل على إضعاف الأزهر بإنشاء طابور خامس وهابى به؟، وهل من بصر وبصيرة لنكشف زيف هذه الأفكار البدوية التى تفرح لإسلام كاميليا شحاتة ووفاء قسطنطين، أو الزانية الشهيرة، وتقيم لهن المظاهرات، وكأنهم بدار الأرقم ابن أبى الأرقم يهللون ويكبرون عند إسلام فتى واحد أو فتاة، إنه الفكر السلفى البدوى الذى لا يتطور أبدا مع مرور الزمن عليه، وهو الفكر الذى يعمل على عواطف العامة ليجمع حوله القلوب الساذجة فيتقوى بها.

∎ تعرية الرجولة
بينما لا تكاد تسمع همسا يشجب الاعتداء على فتيات ونساء مصر فى شوارعنا، حيث تمت تعرية الرجولة المصرية حين سحلت المرأة أو أراد من أراد أن يقيم عليها حفلة، أو تلك التى شج رأسها وكسرت يدها وغيرهن كثيرات، فأين النخوة السلفية من هذا المعترك، لم نسمع سلفيا واحدا يطالب بتطبيق شريعة القصاص على الضباط والجنود الذين سحلوا وضربوا وشجوا الرؤوس للنساء والرجال على السواء، فهل يا ترى ستستبدلون عقوبة الحبس بعقوبة السحل والشج للرؤوس لأن الله تعالى قال: «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم»، وقوله سبحانه «وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به»؛ فأين أنتم من المناداة بتطبيق الشريعة، أم ستكونون مثل دول تطبقها على الشعب ولا تطبقها على الأمراء؟؛ نحن لا نعارض الشريعة ولكن نعارض فهم البداوة للقرآن والسنة.

إن الدول التى تغذى السلفية الوهابية بمصر لا تريد لمصر إلا أن تظل فى أوحال نظام ترتاح له تلك الدول، وهل يكون التظاهر ضد الحاكم حراما بينما يكون التظاهر السلفى فى وجه الإمام الأكبر شيخ الأزهر حلالا؟، كيف يفكر ذلك الصنم السلفى المتناقض الذى ثار وتظاهر ضد شيخ الأزهر؟.

إن الأزهريين أتباع المنهج السلفى ليسوا خطرا على الأزهر فحسب، بل هم خطر على مصر بأسرها، والسلفية عموما هى الخطر الناعم الذى يتوغل باسم الدين بل يزعمون زورا أنهم يمثلون صحيح الدين، وما هم إلا مجموعة من حفاظ النصوص بلا روح.

وهل الطعن فى شيخ الأزهر تارة والمفتى تارة، والبابا شنودة تارة ثالثة، وإشاعة فكرة العلمانية ضد المثقفين من أبناء مصر، والتظاهر فى مواجهة الكاتدرائية، وحرق الكنائس بل وهدمها بالبلدوزر، والاستيلاء على المساجد، وهدم قبور الصالحين، أمر تغذيه ثقافة فقط أم يغذيه فكر ومال دول يجرى الدولار بباطن أراضيها بترولا لخدمة ذلك الفكر.

إن محاولة زعزعة استقرار الدولة بافتعال هياج فى كل مكان، والطعن فى كل ما هو غير سلفى، لا يمكن لداعية سلفى أن يقوم به بمفرده، ولا تنهض به إلا دول بترولية تنتحب لقرب زوال ملكها الفكرى بمصر، فتكون السلفية هى الأداة، ويكون الأزهر هو الهدف والكعكة التى ستقدمها تلك الدول لرعاياها الوهابيين من أهل السلفية.

∎المفكر الساقط
إن السلفية تقول بأنها تتبع القرآن والسنة بفهم سلف الأمة، فهكذا نشرت جريدة الأهرام قول كبيرهم، وهو ما يرددونه فى مجامعهم ومقابلاتهم وبالتلفاز، ومن لا يتعمق قد يغتر بمثل هذا المنهج ذى الأصول البراقة، فالجزء الأول منه يقوم به كل المخلصين لدينهم، أما الجزء الثانى وهو عبارة «بفهم سلف الأمة» فهو الطامة الكبرى.

فلقد اختلفت السلفية على ثلاث فرق فى تفسيرهم لمفهوم سلف الأمة، فمنهم من قال إنهم الصحابة، ومنهم من قال الصحابة والتابعين، ومنهم من قال بأن السلف هم رجال الثلاثة قرون الأولى.

وأيا كان وجه الحق فى معنى السلف، فإن تعبير «فهم سلف الأمة» يحمل تحجرا فكريا غير مسبوق، بل ومخالف لكتاب الله، بينما يصوّر السلفيون للناس بأننا نكره الصحابة، فهكذا يداعبون عواطف السذج، بينما هم يصنعون الزيف ويمكرون بالإسلام، إذ إن ارتباط المسلم بفهم سلف الأمة يحمل فى طياته إنشاء العصمة لمفهوم السلف، فيكون لدينا نص معصوم وهو القرآن، وفهم معصوم وهو فهم السلف، وبهذا نكون من المبتدعين المخالفين لكتاب الله القائل: «..هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى» النجم 32 لأننا نكون قصرنا التدبر والفهم على السلف الصالح، ويتعطل تنفيذنا لكل آية تقول: «أفلا تعقلون، لقوم يتفكرون، إن فى ذلك لآيات لأولى الألباب.. إلخ» لأنه لا فهم ولا لب ولا عقل إلا عقل السلف، وهو الخطيئة الكبرى التى تمارسها سلفية الوهابية.

بل تراهم يقولون قولا عجيبا ومصطلحا فاسدا وهو اجتهد لكن لا تختلف، ففيم الاجتهاد إن لم يثمر عن اختلاف، ولأنهم أساطين الخلاف لذلك فهم لا يحبون الاختلاف، لهذا صنعوا أصناما من قول السلف ظلوا لها عاكفين، وقالوا بالبدعة عن كل جهد وفكر للخلف، بل من عجائب فقههم ألا تقود النساء السيارات بينما يبيح ذات الفقه أن ترضع النساء الرجال.

وليفهم أتباع السلفية أن أساطين دعاتهم لا يحملون علما قدر ما يحملون تحجرا وتخلفا فكريا يسمونه إسلام، وهنا يبرز الدور الفكرى للأزهر الذى يريدون الاستيلاء عليه وقيادة سفينة الفقه للخلف بسلفيتهم المدعومة بالدولار والريال والدرهم.

إن على أتباع دول النفط اعتزال ذلك الدين الجديد الذى يطلقون عليه إسلام، وما هو من الإسلام فى شىء، بل صدق شيخ الأزهر حين قال عنهم بأنهم خوارج العصر الحديث، وأضيف بأن مصر لا ترتضى أن تستولى حفنة بشرية ساقطة فكريا على الأزهر، مهما كان دعمها، فمصر بلد عريق وشعب أصيل وثقافة ضاربة فى عمق التاريخ، ولسنا قشورا فكرية يزرعها الشياطين اليوم ليجمعوا ثمرتها بعد ساعة من الزمن، فمهما كان دعمهم أو علمهم فلن يفلحوا إذا أبدا.

∎ فرص الأزهر
وعلى الأزهر المقاومة، وأول خطوطها تعديل مناهجه لتتواءم مع العقل والنقل والحضارة، فعيب جدا على رجالات الأزهر والواحد منهم أوسع علما من كل الأئمة مجتمعين، أن يستظلوا بفقه غريب عن البيئة التى نعيشها، فقه صدر عن عقول لا تعرف لحضارتنا معنى، وليعلم الأزهر بأنه إن كان السلف صالحا فنحن أصلح منهم، هذا بالطبع باستثناء الصحابة رضوان الله عليهم، لأنه ليس من بيننا من دس الحديث على النبى، ولا من قتل أخاه، أو افتعل الحروب، أو رجم الكعبة بالمنجنيق، أو اختطف الحجر الأسود 18 سنة، ولا من لعن عليا كرم الله وجهه 80 سنة على المنابر، وليس منا من عذب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك وابن حنبل، ولا من قتل أهل بيت النبى لدنيا يصيبها، لذلك فنحن نرانا أهلا لحسن ظنكم بنا، وأنتم منا ونحن منكم ونحن نعتمد على علمكم فلا تجعلونا نستظل بظل فقه غير فقهكم؟؛ ولا تجعلوا لغيركم سبيلا فقهيا علينا. لكنى من كثرة ما جاهدت ضد مناهج الأزهر ترانى يائسا، فكما فشلت مع القرود أن تعلم بأن ثمرة المانجو أحلى من الفول السودانى الذى تهواه، فأرانى فشلت مع المناهج بالأزهر أن تتطور، ويبدو أنى سأكمل حياتى فاشلا مع القرود، ومجاهدا مع مناهج الأزهر، إن مناهج الأزهر تخرب عقول الطلاب وتستحثهم ليكونوا بغاة فكريا وراسبين نفسيا ومع هذا تجد تلك المناهج الأزهرية راسخة رسوخ الجبال الرواسى.

∎ كعكة البرلمان
لقد فاز الإخوان والسلفيون بكعكة البرلمان، وظاهر أمرهم الاجتماع لكن هيهات أن تجتمع السلفية أو تتحد إلا مع نفسها، لذلك ترقبوا شجارا وخلافا وعنفا فى الخصومات بين الفائزين الإسلاميين بالبرلمان، فبينما يتميز الإخوان بالدهاء والمرونة وسعة الصدر، يتصدر التعصب والتعنت وقلة الحيلة المشهد السلفى، لذلك فلن تمر الأيام على مجلس الشعب بخير يذكر، وستكون مهمة البرلمان التصفيق والشكر للمجلس العسكرى، وسيقدم الرئيس القادم الأوسمة والأنواط للمجلس العسكرى حتى يضمن عدم محاسبته على إجراءات يراها البعض جرائم ارتكبها ذلك العسكرى ضد الشعب وضد الثورة.

∎ إسلامنا وإسلامكم
لقد صدق القائل حين يقول لا أريد إسلامكم لكن أريد إسلاماً لا يُكره أحداً على أداء شعائره كما قال سبحانه: «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ..» الكهف .29 إسلاماً يُقِيّم الناس بالمحبة التى فى قلوبهم وليس ذلك الإسلام الذى يُقيمهم بما يلبسون ولحاهم التى يطلقون، فالله تعالى قال فى كتابه العزيز بسورة الشعراء: «يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ) 88 (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) .89

نعم أُريد ذلك الإسلام الذى يحنو على المسكين واليتيم والأسير أيّاً كان دينهُ أو عرقه أو عقيدته فقد قال تعالى «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً» الإنسان .8

ولم يقل ويطعمون المسكين المسلم، أو اليتيم المسلم، أو الأسير المسلم فقط.

نعم أُريد إسلاماً يُدافع أتباعه عن كنائس ومعابد غير المسلمين كما يدافعون عن المساجد فالله تعالى هو سبحانه القائل: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ» الحج .40 نعم أُريد إسلاماً يعلو بالتواضع ويسمو بالرحمة والمغفرة لا باللعنات والكبر فالله تعالى هو القائل: «وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِى الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم» النور .22

نعم أُريد ذلك الإسلام الذى يشهد أتباعه بالحق والصدق ولو حتى على أنفسهم كما قال ربى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً» النساء .135

نعم أريد ذلك الإسلام الذى تسمو فيه الروح فوق الأحرف والكلمات والمذاهب والفرق كما قال ربى: «وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ» الشورى .52 نعم أُريد ذلك الإسلام الذى يجعل أتباعه «ربانيين» وليسوا شراذم متفرقة بين المذاهب كما قال ربى: «مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّى مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ» آل عمران .79 أى أولئك الذين يرى الناس أعمالهم الحسنة فيقدسون وجه خالقهم ومبدعهم .

نعم أُريد ذلك الإسلام الذى يجعلنا نُقدس الإبداع فالله تعالى هو: «بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ» البقرة .117 ونحترم الفكر المخالف ونرى فيه جمالاً لأهميته فقد قال ربى «وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ» هود .118 إنى أُؤيد ذلك الإسلام الذى هجره ونسيه الكثيرون كما قال الله: «وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورا» الفرقان .30

فإن كانت تلك الصفات والتى تسمح باحترام الفكر والتنوع والاختلاف وتقدس الجمال والإبداع هى مرجعية الإسلام فأهلا وسهلاً بها. وإن كان مفهوم المرجعية عند البعض هو إكراه الناس على شعائر الدين وقمع بناء كنائسهم ومعابدهم وإصدار الأحكام على البشر ونعتهم بالكفر والزندقة فلا أهلاً ولا سهلاً بتلك المرجعية . فهؤلاء لا يريدون لنا «ذلك» الإسلام الذى أنزله الله للناس بل «إسلام» يستعبدون هم به الناس فحذار منهم!، ورحمة ببلادنا فلسنا أفغانستان ولا الصومال ولا السودان، فقد تقدمت تركيا بالإسلام، وتقدمت ماليزيا بالإسلام، فلا تخذلونا فنتأخر بإسلامكم.


محام بالنقض ومحكم دولي وكاتب إسلامي



الإسلام والحرية والعلمانية (١-٥)

تتردد هذه المفردات كثيراً فى معظم الكتابات الحديثة عن الإسلام دون أن تصل إلى تحديد دقيق، ويغلب دائماً أن تأخذ الشكل الأكاديمى الذى يغرق القارئ فى نصوص متعارضة واستشهادات متفاوتة، ونرجو أن نقدم فى هذا البحث إضافة تأخذ أسلوباً جديداً وتنتهى إلى نتائج جديدة أيضاً، قد تخالف المأثور التقليدى، ولكنها تتفق تماماً مع نص القرآن الكريم وروحه وما ثبت عن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.
الحرية
الانطباع الذى تصدر عنه معظم الكتابات التقليدية عن الحرية والإسلام أن الإسلام لما كان بالدرجة الأولى ديناً، فمن الطبيعى أن يختلف فى أهدافه ووسائله عما تتجه إليه وتنهجه الحرية والعلمانية، وشواهد الحال تدعم هذا الانطباع، فمعظم المفكرين الإسلاميين يضيقون بالحرية والعلمانية، وأكثرهم تحرراً يقف عند «الثوابت»، فى حين أنه لا معنى لحرية الفكر إذا حرمنا عليها مناقشة الثوابت، إذ إن أهم ما يفترض أن تتجه إليه الحرية هو هذه الثوابت بالذات، التى إن كانت تقوم بالحفاظ والاستقرار للمجتمع، وتمسكه من الانزلاق أو التحلل، إلا أن عدم مناقشتها يجعلها تتجمد، بل تتوثن وتأخذ قداسة الوثن المعبود، هذا كله بفرض أن الثوابت هى دائماً صالحة ولازمة، ولكنها لا تكون كذلك دائماً، وقد جلى القرآن صيحة عجب المشركين من الرسول الذى يريد أن يجعل الآلهة إلهاً واحداً: «إن هذا لشىء عجاب»، فضلاً عن أن الثوابت تعبير مطاط فيمكن أن تنتقل من الله إلى الرسول ومن الرسول إلى الصحابة، ومن الصحابة إلى السلف الصالح، كما هو الحال فى فكر الكثيرين، وتجربة البشرية أنه ما إن يسمح المشرع باستثناء فى الحريات، ولو كثقب إبرة، حتى يصبح ثغرة تتسع للجمل وما حمل.
وحتى عندما تسمح حرية الفكر بالغلو، فإن الغلو، وإن كان فى مجموعه سيئاً، إلا أنه قد يصل إلى استكشاف ما لا يستكشفه النقاش المألوف، وقد كان الخوارج من أكثر الناس غلواً فى بعض جوانب عقيدتهم، ومع هذا فقد كانوا هم الذين استكشفوا فساد المبدأ الذى أقره الفقهاء جميعاً «الأئمة من قريش»، وقالوا إن الإمام هو الأصلح، وذهب بعضهم إلى عدم ضرورة الإمامة أصلاً، إذا استطاع الناس أن يصلحوا أمورهم فيما بينهم، وهو ما اعتبر أقصى درجات الغلو، ومع هذا فإنه كان ولايزال أمنية كثير من المفكرين.
وقد كشف شاعرنا الكبير شوقى ببداهة الفنان بعض الجوانب المشرقة فى الغلو فى مرثيته الرائعة لأمين الرافعى الذى اتهمه أعداؤه بالغلو فى الوطنية:
قيل غال فى الرأى، قُلت هَبُوه قد يكون الغلو رأياً أصيلاً
وكم استنهض الشيوخَ وأذكى فى الشباب الطماح والتأميلا
ولكن شيئاً من هذا لا يمكن أن يقف أمام السد المصمت الذى يقيمه المفكرون الإسلاميون ما بين الثوابت والحرية، والذى يقضون به على أعظم رسالة للحرية، ألا وهى الحيلولة دون توثين الثوابت، حتى عندما نقول لهم: إن هذا التوثين يصبح مع الزمن شِرْكاً، وما حركة ابن تيمية إلا مقاومة لتوثين ما توهمه معاصروه ثوابت، حتى عندما نقول لهم هذا فإنهم لا يغيرون موقفهم الذى أصبح نوعاً من «المزاج» وجزءاً من الشخصية.
ونحن نؤمن إيماناً تاماً بأن الإسلام الذى يُعتد به، أى إسلام القرآن والصحيح عن الرسول، يأخذ بمبدأ حرية الاعتقاد والفكر على إطلاقها، وشاهدنا ومستندنا فى هذه الدعوى أمران: الأول: نصوص الآيات بالقرآن الكريم والمواقف التى وقفها الرسول، والثانى: طبيعة الأشياء التى يأخذ بها القرآن ويطلق عليها «سنة الله».
ولا يعنينا بعد هذا فى شىء ما تحفل به كتب الفقه، وما تتضمنه من أحكام عن المرتد، ومَنْ جَحَدَ مَعْلُوماً من الدين بالضرورة، «فمن قصد البحر استقل السواقيا».
أما آيات حرية الفكر والاعتقاد فى الإسلام فقد تبلغ مائة آية كلها تقرر أن مَنْ آمن فلنفسه، ومن كَفر فعليها، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ، وأنه لا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ. وأن الرسول، وهو الداعى إلى الإسلام ليس عليه إلا البلاغ، ولكنه ليس حفيظاً ولا مسيطراً ولا جباراً ولا حتى وكيلاً عن الناس، وأنه لا يهدى من يحب، وإنما يهدى الله من يشاء «لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ»، وأن ليس للرسول أن يبخع نفسه أمام من لم يؤمنوا: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآَمَنَ مَن فِى الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ».
أما الاختلاف فحكمه إلى الله «وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ».
كما يلفت النظر إلى أن القرآن تحدث عن المرتدين عدة مرات دون أن يوجب عليهم عقوبة دنيوية، وإنما جعل جزءاهم على الله يوم القيامة.
أما الحرب التى أطلق عليها الردة فليست إلا تمرداً عسكرياً من بعض قبائل العرب التى ضاقت بالحكم المركزى، وبدفع الزكاة وتولية أبى بكر، ولكنهم كانوا يؤمنون بالله وبالرسول ويؤدون الصلوات، فلم تكن حرب ردة، وإنما كانت رداً (لأنهم هم الذين بدأوا الحرب قبل أن يتحرك أبوبكر) على تمرد عسكرى.
ولم تظهر حكاية المرتد، واستتابته إلا فى مرحلة لاحقة وعلى أيدى الفقهاء الذين أصدروا أحكامهم من منطلق «حكم الصنعة»، وبدعوى حماية العقيدة وبتأثير النظم السياسية الطاغية... إلخ.
يدعم هذه الحقيقة موقف الرسول من المنافقين فى المدينة الذين قال عنهم القرآن إنهم «الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً»، «وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا»، ومع هذا فلم يوقع عليهم الرسول عقوبة من أى نوع وتغاضى عن كفرهم، أما ما يوردونه من أحاديث تتضمن عقوبة على الردة، فإنها إذا صحت تقرن الردة بالخروج عن الجماعة، مما كان يعنى وقتئذ الانحياز إلى المشركين ومحاربة المسلمين.
على أن موقف على بن أبى طالب من الخوارج الذين خسروه نصر صفين، بعد أن كان قاب قوسين منه، وانعزلوا عنه وسيوفهم على عواتقهم، ثم كفّروه ! بعد كل هذا لم يشن عليهم الإمام على الحرب، بل تركهم وعرض عليهم تسويتهم ببقية المسلمين حتى بدأوا العدوان فلم يكن مناص من رده، وهذا المثال مما يندر وجوده فى أشد النظم تحرراً وديمقراطية.
قلنا فى مستهل الفقرة إن سندنا فى أخذ الإسلام بحرية الفكر هو النصوص القرآنية ثم طبيعة الأشياء التى يأخذ بها القرآن ويطلق عليها «سُـنة الله»، وقد أشرنا إلى ما جاء فى القرآن من نصوص، وبقى أن نعالج نقطة «طبيعة الأشياء».
وهذه قضية لا تتطلب عناء، لأنها تكاد تكون من البديهيات. فالأديان مادامت تقوم على الإيمان القلبى والاقتناع العقلى، فإنها تفترض مقدماً وجود الحرية، فلا إيمـــان دون اقتناع، ولا اقتناع دون تفكير، ولا تفكير دون حرية، ولهذا، حق للقرآن أن يستنكر.. «أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ». وصرح بالمبدأ.. «لاَ إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَىِّ»، واعتبر الرسول أن «الأعمال بالنيات»، كما قرر الفقهاء أن «النية» شرط لسلامة الشعائر وهذه كلها، أعنى النية، والإيمان تتنافى مع وجود أى صورة من صور الضغط والإكراه ومن ثم تفترض وجود الحرية.
وفى كتابنا الموجز: «لست عليهم بمسيطر: قضية الحرية فى الإسلام»، قلنا: إن الحرية فى المجتمع الأوروبى تنبع من الإنسان، وإنها فى الإسلام تنبع من الحق، ولكن هناك حرية واحدة ليس للحق وصاية عليها، لأنها هى الطريق إلى التعرف على الحق «ومن ثم فلا يكون له وصاية عليها، هى حرية الفكر».
ولم نجد حرجاً من أن نفرد فصلاً تحت عنوان: «ضمانات الحرية فى مواجهة الحق»، لأن تجربة البشرية كانت دائماً أن يحيف الحكام والسلطان على الحرية بدعوى الحق، ومن هنا فإن الإسلام فى الوقت الذى قرر فيه حرية الاعتقاد وفتح بابها على مصراعيه، فإنه أوجد ضمانات تحول دون الافتيات عليها بدعوى هذه الحقوق.
ويستشعر المفكر المسلم أعظم الأسى عندما يجد أن الآيات القرآنية، والمواقف النبوية، وطبيعة الأشياء كلها تدعو إلى حرية الفكر، ومع هذا فإن الإحساس بالحرية فى فكر الفقهاء والعلماء المسلمين ضحل، ويكاد يكون منعدماً، يستوى فى هذا المحدثون جنباً إلى جنب القدماء، فبقدر ما يتحدثون عن الحرية، بقدر ما يتضح أنهم إنما يعنون بها حريتهم وليس حرية الآخرين.

  بقلم   جمال البنا    ٥/ ١٠/ ٢٠١١

كيف دخلت المسيحية مصر وكيف دخلها الإسلام


من ألوان الحرب التى تشن الآن ضد الإسلام اعتباره طارئا على البلاد

وفد عليها مع فاتحين غرباء، ثم استقر فيها على كره من أصحابها الأصلاء!!.
وهذه مزاعم مضحكة، فإن كلتا الديانتين جاءت مصر من الخارج.
وليست مسيحية عيسى صناعة محلية يجب ـ لتشجيعها ـ أن توضع العوائق الجمة أمام ما قد يزاحمها من واردات أخرى ! كلا
لو كان من حق أهل بلد ما أن يطردوا الأفكار الغريبة عن بيئتهم لأنها ليست أفكار مواطنين أصلاء، لوجب إخراج المسيحية والإسلام معا من مصر، ولوجبت إعادة البلد على عجل إلى حظيرة الوثنية المحضة التى تعبد فيها الأصنام وتقدس العجول.
فإن الوثنية هى الديانة التى عرفها تاريخنا آلاف السنين، إنها بضاعتنا العريقة.
أما الإسلام فقد جاء به عرب غرباء.
وأما المسيحية فقد جاء بها ـ كذلك ـ رومان غرباء .
والكاتب الصليبى الذى سود صحائفه بأحقاده على العرب الفاتحين لا يمكنه تجاهل هذه الحقيقة.
بل إنه يعترف بها على رغمه.
قال فى ص 11: " ظل الشعب القبطى بعد انتشار المسيحية على أيدى الرومان والبيزنطيين يعبد بحرارة آلهته الفرعونية، ويكرم آثار ماضيه التليد، وكان يرفض أن يقدم أى قربان لآلهة اليونان والرومان، كما أنه لم يقبل المسيحية إلا بتحفظ شديد لأنها جاءته من الخارج، وكان الشعب يريد بذلك إقناع نفسه أنه لم يخضع لاحتلال الغزاة ما دام يقاوم شعائرهم وعقائدهم ".
ويقول فى الصفحة نفسها : ".. ترك مسيحيو مصر ديانة أجدادهم مكرهين " كذا " لأن ديانة الفراعنة ومعابد الفراعنة وآلهة الفراعنة كانت تذكرهم بمجد مصر فى مختلف عهودها.
فلا غرابة إذا ظلت معتقداتهم الأولى راسخة فى نفوسهم، رابضة فى قلوبهم، بعد اعتناقهم المسيحية. ونضرب مثلا لهذا التشبث ـ يعنى تشبث المصريين بوثنيتهم القديمة ـ من قراءة " السيناكسار" أى تاريخ القديسين.
وماذا يقول: " السيناكسار" هذ ا؟.

يقول ـ كماترجم الكاتب من مرجع فرنسى ـ "فى معبد قيصرون الذى شيدته الملكة " كيلو بطرة ".
كان يوجد صنم كبير من النحاس اسمه "عطارد" وكان يحتفل سنويا بعيده وتقدم له الذبائح، وقد ظلت هذه التقاليد معمولا بها إلى أيام حكومة الأب " إسكندر ".
أى لمدة تزيد عن ثلاثمائة عام.
فلما نصب " إسكندر " بطريركا قرر تحطيم هذا الصنم..
بيد أن شعب الإسكندرية ثار قائلا: لقد اعتدنا إحياء هدا الصنم.
ولقد تربع على هذا الكرسى اثنا عشر بطريركا ولم يجرؤ أحد منهم أن يصرفنا عن هذه العبادة ".
أرأيت أيها القارئ؟ ذلك هو تصرف الأمناء على ديانة نزلت من السماء بإزاء التقاليد الوثنية التى رفض العامة من المصريين أن يدعوها.
والغريب أن هذا الكاتب يقول قبل ذلك بسطور:"..
إننا لن نناقش النتائج التى خرج بها بعض المستشرقين أمثال " لوفيفر" و " شميدت" و" شولتز".
فقد اتفقوا على أن المسيحية ظلت غريبة على أهل مصر الأصليين، كما ادعوا أن نجاح العرب يرجع بصفة عامة إلى " أن الإسلام اجتذب أقباط مصر، الذين تعبوا من تزمت كنائسهم وتضييقها عليهم ".
ونحن نعرف أن أهل مصر الأول كانوا وثنيين متعصبين لعقائدهم.
وقد قرأنا ـ كذلك ـ فى تاريخ القديسين كيف احترم البطارقة هذه الوثنية وسايروها.
فلم غضب المصريون آخر الأمر من كنائسهم؟.
إن هذا الغضب لا يتصل بأمور خدشت تقاليد المصريين العتيقة، وإنما يعود إلى الاضطرابات العنيفة التى تخلفت عن انقسام الكنائس فى فهم حقيقة المسيح، وقد تكون له أسباب أخرى نفسية واقتصادية.
أما المصريون أنفسهم فقد نجحوا- كوثنيين- فى فرض أفكارهم وعاداتهم على ! المسيحية نفسها.
يقول " هـ. ج. ويلز " فى كتابه ملخص التاريخ: " إن السيد المسيح أغمى عليه حين حمل على صليبه لأنه كان ضعيف البنية، وإنه توفى قبل أن يتوفى المصلوبان إلى جانبه وأن السيد المسيح لم يبشر بالديانة المسيحية المعروفة اليوم ".

يقول ويلز: "لأن هذه التعاليم إنما أحدثها الرسول "بولص " المتعلم بالإسكندرية،1 وأن "بولص " أخذ تعاليمه من وثنية الإسكندرية... ".
ثم يقول ويلز: " إن خيوط الثالوث المقدس حيكت فى الإسكندرية، وإن آلهة قدماء المصريين الثلاثة " إيزيس " و " هورس " و " سيزابيس " قد استحالت عند "بولص " إلى الأب والابن والروح القدس ".
وكلام " ويلز " يتضمن حقائق كثيرة.
وقد أيده الكاتب الصليبى من حيث لا يدرى، إذ قال فى ص 12: " لم يستطع المصريون تلافى المسيحية فحاولوا ـ حسب تعبير " جان ما سبيرو " الموفق ـ مصادرتها لمصلحتهم، وقرروا أن كل ما كان جميلا وعظيما فى المسيحية إنما هو مصرى.
ومن ذلك الحين مال الإكليروس والشعب إلى القبض على زمام الحكم، ثم إلى الانفصال عن حكم " بيزانطيا".
وقد تجلى هذا الميل بوضوح بعد مجمع "نيقية " حيث بزغ نجم كنيسة الإسكندرية ولمع ".
ومجمع " نيقية " هذا، هو الذى قرر مطاردة الموحدين وإحراق كتبهم بعد أن اعتبر عيسى إلها مع الله ! فلا غرو أن يبرع فيه نجم كنيسة الإسكندرية ويلمع! أليس هذا نصرا ضخما تحرزه الوثنية المصرية يجدد ديانة الفراعنة الأقدمين ويعيد الحياة إلى رفاتهم البالى ؟.

لو أن عيسى عليه الصلاة والسلام استطاع أن يقيم لدينه دولة تحمى قواعده الحقة ما استطاعت الوثنية القديمة أن تفتك به هذا الفتك الذريع.
ولكن عيسى ذهب والنصرانية تدور بها دوامة عاصفة من أحقاد الوثنية التى تملك الدولة والصولة.
ولم يكن الرومان وحدهم عباد أصنام، بل كان اليونان والفرس والمصريون والهنود وسائر البشر، ما عدا فلول من اليهود لا يقام لهم وزن.
وددنا لو قرأنا تعاليم عيسى نفسه بلغته العبرانية، أو لو قرأنا رسائل حوارييه الكرام بهذه اللغة نفسها، فهى اللغة التى دونوا بها عقائدهم وبشروا بها أممهم.
غير أنه- من المؤسف- ألا نجد إلا تراجم يونانية و لاتينية لهذه الكتب المفقودة، وهؤلاء الذين كتبت تعاليم المسيح بلغتهم هم سدنة الوثنية القديمة وأشياعها.
والمدهش أن المترجمين أنفسهم أشخاص مجهولون!.
فباى وجه من المنطق يؤخذ دين عيسى من ألسنة أعدائه بعد ضياع الصحائف الأولى التى أنزلت عليه، وبعد ضياع الأسفار التى كتبها عنه تلامذته، وحلت محلها تراجم لا تعرف قيمتها العلمية ولا أمانة ذويها؟.
ونحن نجزم بأن تغييرات هامة جدا طرأت على أصل النصرانية مالت بها إلى تعدد الآلهة! ونحت بها نحو الوثنية السائدة فى فكرة الفداء والقرابين.
وقد عاداها المصريون أولا بالنظر إلى أصلها السماوى، وحتى إذا حوروها كما يشتهون دخلوا فيها.
أو بالأحرى لم يستطيعوا الانتقال إليها فنقلوها إليهم..
ولما كان المفروض أن الإنجيل ملحق بالتوراة، وأنه يعتمد أحكامها، وأن النصرانى مكلف بالعهدين القديم والجديد معا، فإن عبث الوثنية لم يلحق الإنجيل فحسب، بل تعداه إلى التوراة نفسها.
وقد لاحظ الباحثون دلائل ذلك فيما يلى:
ا- برز حقد الوثنيين على رسل الله فنسبوا إليهم أعمالا شائنة، فجاء فى هذه الكتب المقدسة (!) أن نبيا شرب الخمر فزنى بابنتيه.
وأن آخر سكر حتى تعرى وانكشفت سوأته لأحد ولديه، فغضب على الآخر لغير جريرة.

وأن أحدهم رفض دعوة النبوة من ربه.
وأن آخر ارتد وعصى الله وعبد الأصنام.
وأن آخر صنع عجلا لقومه.
وآخر شبه الناس جميعا بالكلاب ما عدا بنى إسرائيل.
وأن نبيا طمع فى امرأة فأرسل بزوجها إلى الميدان وأوصى بقتله حتى يخلو الجو له معها وأن..
وأن.. إلخ.
والذى يقرأ نشيد الإنشاد فى العهد القديم  ( نبذة عن نشيد الأناشيد ) ويقرأ صور الغزل المفضوح فيه، يوقن بأن ما حوى من مباذل، وليد طبيعة مهتاجة بالشهوة البهيمية، مما لا يمكن صدوره أبدا عن رب العالمين.
قال " جان ملز كاتلك " فى كتابه المطبوع سنة 1843 : " اتفق أهل العلم على أن نسخة التوراة الأصلية، وكذا نسخ العهد العتيق ضاعت من أيدى عسكر " بختنصر ".
ولما ظهرت نقولها الصحيحة بواسطة "عزرا " ضاعت تلك النقول أيضا فى حادثة "أنيكوسى ".
فلما ضاعت صحائف الوحى المنزل من السماء حلت مكانها هذه الأباطيل. !.
2 ـ لا يعرف أثر بتة لإنجيل عيسى الذى نزل عليه من ربه.
والمسيحيون اليوم يزعمون أنه ليس لعيسى إنجيل، مع أن ذكر هذا الإنجيل جاء فى رسالة "بولس " إلى أهل "غلاطية" 1: 6-7.
وقد أيد فقدان هذا الإنجيل "طامس انكلسى" فى كتابه مرآة الصدق.ـ إن جملة الرسائل التى تؤلف ما يسمى الآن بالعهد الجديد لا تنهض على أسانيد تعطيها قوة تاريخية معتبرة، فهى غريبة عن لغة المسيح بعيدة عن عصره، وبمكن القول بأن هذا العهد ما صنفه المسيح ولا الحواريون، بل صنفه رجال مجهولو الاسم ثم نسب إلى الحواريين ورفقائهم.
وكتب " استادلن " يقول: " إن كافة إنجيل "يوحنا! تصنيف طالب من جامعة "الإسكندرية " ووافقه " برطشنيد " وزاد على ذلك أيضا رسائل "يوحنا ".
ومع ذلك فإن العهدين القائمين ذكرت بهما أسماء نحو خمسة وعشرين سفرا لا وجود لها ".

***
ونحن ـ المسلمين ـ لا نزعم أن ما ورد فى أسفار العهدين القديم والجديد باطل محض، ففيهما مزيج غامض مبهم من الخطأ والصواب.
وقد وردت فيهما كلمات تخلع وصف الألوهية على أناس أطبق أهل الأديان أجمعون على عدهم بشرا فحسب.
جاء فى الإصحاح السابع من سفر الخروج " فقال الرب لموسى: انظر، أنا جعلتك إلها لفرعون، وهارون يكون نبيك!.
وجاء فى الإصحاح الرابع من السفر المذكور:" هو يكلم الشعب عنك، ويكون لك فما، وأنت تكون له إلها".
وهذا التهور فى إطلاق الألوهية على الأناسى.
إما أن يكون عجزا شائنا فى الترجمة عن الأصل فأبدلت كلمة السيد مثلا بالإله.
وإما أن يكون مسلكا مغرضا قصد به تضليل العامة عن سوء نية..
وكلا الأمرين استغل ـ كما رأيت ـ فى تأليه " عيسى " لما كثرت هذه الإطلاقات عليه.
ولكن لماذا لم يؤله موسى كذلك؟؟ وقد ذكرت كلمة "ابن الله " كذلك على غير" عيسى "، فأطلقت على آدم " ابني آدم ابن الله " لوقا " 3 : 38 ".
وقال فى غيره عن يعقوب" هكذا يقول الرب: إسرائيل ابنى البكر ".
وأطلقت على داود كما فى المزمور 89، " هو يدعونى أبى، أنا أيضا أجعله ابنى".
وعلى سليمان بن داود، كما ورد فى أخبار الأيام الأولى " يكون لى ابنا وأنا له أبا " وعلى جميع بني إسرائيل كما فى الإصحاح "14 " من سفر التثنية " أنتم أولاد الرب إلهكم ".
وأطلقت على جميع الناس، كما فى الإصحاح السادس من سفر التكوين "الناس أبناء الله ".
وعلى المؤمنين فقط، كما فى الإصحاح الخامس من إنجيل متى: " لتكونوا أبناء أبيكم الذى فى السموات ".
وكما فى (23) متى " لا تدعوا لكم أبا على الأرض لأن أباكم واحد، الذى فى السموات ".
وعلى المصلين، كما فى الإصحاح السادس من متى: "فصلوا أنتم هكذا، أبانا الذى فى السموات، ليتقدس اسمك ".
وعلى صانعي السلام، كما فى الإصحاح الخامس من متى " طوبى لصانعى السلام لأنهم أبناء الله ".


***
نعتذر لهذا الاستطراد، لقد تمشينا مع الحديث رغبة منا فى كشف كثير من الأحداث التى اكتنفت تاريخ النصرانية الأولى، ومدى تأثير الديانة المستضعفة بها، والدور الذى لعبته مصر مع غيرها من دول العالم الوثنى فى توليد مسيحية جديدة يزدوج فيها مبدءا التوحيد والتعدد.
ونستخلص من هذا السرد المجمل.
أن مصر كانت وثنية فى أغلب عصور الفراعنة.
وأن النصرانية التى أرسل بها عيسى كالإسلام الذى جاء به محمد، ديانة وافدة من الخارج.
وهذه أو تلك لا يقدح فيهما ولا يزكيهما وصف بالغربة أو الألفة، فإن الدين كالعلم لا وطن له.
وأن المسيحية التى انتشرت بعد فى مصر لقيت حمايتها ورواجها على أيدى الرومانيين المحتلين للبلاد.
وكان جمهور المصريين ينظر إليها على أنها بعض مظاهر السيادة الأجنبية.
وأن عبادة الأصنام ظلت متغلغلة فى مصر قرابة ثلاثة قرون لم ير فيها بطاركة الكنيسة ما يزعج مسيحيتهم.
وأن المصريين لما استبان لهم أن الثالوث المسيحى تجديد للثالوث المصرى القديم أقبلوا على المسيحية باعتبارها فلسفة مصرية بحتة، وليست ديانة يفرضها الرومان الغاصبون لبلادهم.
***
وهذه الخلاصات يمكننا أن نستدل عليها جميعا من النقول والتعليقات التى ذكرها المؤلف الصليبى فى الباب الأول من كتابه.
وثم أمر آخر عنى الكاتب بإبرازه.
وهو أن الكنيسة المصرية شقت عصا الطاعة على كنيسة " روما " لأسباب سياسية مجردة.
فالانشقاق القبطى هو دينى من حيث الحجة فقط ! كما يقول المؤلف فى ص 13.
وعلته الدفينة حب البطريرك المصرى للانفراد بسيادة بلاده إذ كان يصرح: " إن البلاد لى أكثر مما هى للأباطرة وإني أطالب بالسيادة على مصر" وفى سبيل هذه السيادة صنعت الكنيسة المصرية أمرا بالغ الغرابة.
فقد وافقت بطريرك " القسطنطينية " على حرمان الراهب الذى ابتدع المذهب الأرثوذكسى.
ولكن بطريرك مصر حقد على زميله هذا السلطان الواسع فأعلن اعتناقه لهذا المذهب الجديد مخالفا آراء زملائه من رجال الإكليروس.
فقد وضعهم ـ كما يقول المؤلف الصليبى ـ فى مركز حرج.
ذلك لأن الأساقفة المصريين أدانوا " أوتيشيش " ـ الراهب المحروم ـ دون أن يبدى البطريرك ـ وهو صاحب الرأى الأخير ـ أية معارضة.
فكيف يستطيعون بعد ذلك أن ينقضوا حكمهم فى دون أن يعرضوا أنفسهم للسخرية؟.
وبينما كان الأساقفة حائرين مترددين أمام هذا الموقف الشاذ، إذا " ديسفور " ـ البطريرك المصرى ـ يأمرهم بأن يتضافروا معه ويؤيدوه فى موقفه.
ولم يكن فى استطاعة الأساقفة إلا الإذعان لأمر رئيسهم!! ص 14.
ويقول الكاتب أيضا فى الصفحة نفسها: …" أما الشعب المصرى فلم يتردد لحظة واحدة فى مناصرة بطريركه لاعتقاده أن جرأة رئيسه الدينى قد حققت أمانيه الغالية المنشودة ".
فلم يكن الأمر إذن بحثا عن الحقيقة، ولم يكن الخلاف على فهم طبيعة المسيح سعيا منزها لمعرفة الصواب.
إن معنى ذلك ـ كما يصور الكاتب الصليبى ـ أن المذهب الأرثوذكسى وليد عناد دفع إليه الطموح، وأن المسائل الدينية الكبرى تحركها من وراء ستار نزعات دنيوية محضة.


وإذا كان هذا الكاتب صادقا فى تصويره للوقائع التى تمخضت عن المذهب الجديد فإن ذلك تسجيل حاسم للريب التى تحيط بجملة العقائد المسيحية: لا الواردة فى العهدين فحسب، بل الناشئة عن قرارات المجامع المختلفة..!
وأيا كان الأمر فقد اضطربت الصلات بين مصر وروما، واتسعت الفجوة بين الكاثوليك والأرثوذكس.
حتى ان المصريين فضلوا أن يحكمهم مجوس فارس عن أن يظلوا خاضعين للمسيحيين الرومان !! إنهم كانوا يريدون البقاء على مذهبهم الدينى آمنين، وهذا ما كان الرومان يضنون به على ذلك أثقال الضرائب التى فرضها الحكام المتعسفون.
إن مصر المسيحية فى ظل الإمبراطورية الرومانية المسيحية ظلت تنوء بما تحمل حتى خارت قواها، وتحولت على مر الليالى السود إلى مستعمرة تزدحم بالرعاة والعبيد.

الإسلام يدخل مصر:

 تختلف نشأة الإسلام اختلافا كبيرا عن نشأة النصرانية.
فإن الإسلام يمتاز بأنه تحول على عجل إلى دولة تهيمن على جزيرة العرب.
كان النبى رئيسها الأعلى، وكان القرآن ـ وهو دستورها الأصيل ـ محفوظا بعناية رائعة، ووعته صدور القراء الذين استظهروه كلمة كلمة.
والذين بلغ من كثرتهم أن تكونت منهم فرق مقاتلة كان لها أثر عميق فى حرب الردة.
ووعته كذلك صحائف الكتبة الذين سطروا آى الوحى فى أوراقهم.
فلم يمت النبى إلا والكتاب السماوى يكتب ويقرأ فى نطاق بعيد المدى.
ولا شك أن حظ القرآن من ذلك لا يذكر إلا جانبه أبدا حظ الإنجيل.
وقد حاولت الوثنية العربية أن تحتل الدين الجديد، وأن تتسرب إليه عن طريق مهادنته.
فعرض عبدة الأوثان على النبى أن يعبدوا إلهه فترة وأن يعبد آلهتهم أخرى، فنزل الوحى: (قل يا أيها الكافرون *لا أعبد ما تعبدون *ولا أنتم عابدون ما أعبد *ولا أنا عابد ما عبدتم *ولا أنتم عابدون ما أعبد *لكم دينكم ولي دين).
وحاولت إحدى القبائل أن تدخل فى الإسلام على شريطة أن تستمتع بعبادة صنمها سنة ثم يهدم بعدها! فأبى النبى إلا هدمه فى الحال.

وذلك مسلك يناقض مسلك النصرانية التى سمحت للمصريين أن يكونوا مسيحيين وعباد أصنام فى وقت واحد، كما ذكر ذلك الكاتب الصليبي نفسه فى ص 12 من كتابه.
وقد يتوهم أحد المغفلين أن مسلك الإسلام ينطوى على صلابة وتزمت.
وأن مسلك النصرانية فى مهادنة الوثنية، أو مداهنتها، أو الامتزاج بها، كان ينطوى على اعتدال ومرونة..
إن هذا غلط فاحش.
فإنصاف الحقيقة وحماية جوهرها شئ، وحمل الناس عليها بالإكراه شئ آخر.
دخل الإسلام فارس فبقى التوحيد توحيدا وبقيت المجوسية مجوسية.
فمن شاء البقاء على مجوسيته بقى آمنا، ومن شاء دخل فى الإسلام فأحل حلاله وحرم حرامه ونزل على أحكامه كلها.
أما اختلاق مركب جديد من الديانة المحلية والديانة الجديدة فعبث يجب أن يقاوم بالسيف..
لأن التمشى معه إيذان بضياع الحق إلى الأبد، وذلك ما فعلته الوثنيات القديمة بدين عيسى.
فلا جرم أن يرفض الإسلام أية مساومة على منحه حق البقاء، وأن يمضى فى طريقه مستندا إلى مبادئه وحدها وتضحيات المؤمنين بها.
فما إن استقر له الأمر حتى بدأ يجلى جيوش الروم والفرس عن الأقطار الفسيحة التى احتلت رقعتها واستهلكت أهلها..
على ما قصصنا عليك.
وكانت مصر قبيل الفتح الإسلامى يتنازع احتلالها الفريقان معا، حتى انهزم الفرس آخر الأمر أمام خصومهم فتوطد ملك الروم بها.
وأضحت ـ بموقعها ومواردها ـ معواناً قويًا للروم فى القتال الذى دار بينهم وبين المسلمين.
جيش عمرو: قرر أمير ا!لمؤمنين " عمر بن الخطاب " فتح مصر، وسار إليها الجيش الزاحف بقيادة " عمرو بن العاص " فأخذ طريقه إلى القاهرة حيث التقى بهم جيش الروم وفيه الجاثليق " أبو مريم " ومعه الأسقف الذى أرسله المقوقس.

وقبل أن تشتبك القوى المتأهبة للنزال قال " عمرو " لقادة الروم: لا تعجلوا حتى نعذر إليكم! وليبرز إلى الجاثليق، والأسقف، فخرجا إليه، فدعاهما إلى الإسلام أو الجزية، وأخبرهما بوصية النبى صلى الله عليه وسلم بأهل مصر، لأن " هاجر" أم إسماعيل جد النبى عليه الصلاة والسلام من مصر.
روى مسلم فى صحيحة أن النبى قال: " إنكم ستفتحون مصر، وهى أرض يسمى فيها القيراط.
فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحما " أو " ذمة وصهرا " فقالا: " قرابة بعيدة، لا يصل مثلها إلا الأنبياء ".
ثم قالا لعمرو " أمنا حتى نرجع إليك " فقال لهما: " مثلى لا يخدع ولكنى أؤجلكما ثلاثا لتنظرا ".
فقالا: لازدنا... " فزادهما يوما.
فرجعا إلى المقوقس بطريرك الأقباط، وإلى " أرطبون " الوالى الرومانى فأخبراهما خبر المسلمين.
ويبدو أن البطريرك القبطى كان زاهدا فى قتال العرب.
وما الذى يستثير حماسته ضدهم؟ وصلة مصر بالروم على ما علمنا من ضعف بل من مقت!!.
أما الحاكم الررماني فقد قرر المقاومة ورفض ما عرض عليه، واستعد للقتال بل بادر المسلمين بالهجوم فعلا إلا أنه انهزم وارتد إلى الإسكندرية.
فتعقبه العرب فى مهربه، ووزع " عمرو " فرقه علي جبهات عدة استطاع أن يحرز فيها جميعا النصر بعد أن حاصر الروم فى مواقعهم أياما طويلة.
وقد أرسل أهل البلاد إلى " عمرو " يعلنون رضاهم بالصلح وقبولهم دفع الجزية على أن ترد لهم السبايا.
فأرسل " ابن العاص" إلى أمير المؤمنين بذلك فأجاب مطالبهم.
وأمضى " عمرو بن العاص " معاهدة الصلح مع المصريين.
وهذا نصها على ما رواه الطبرى : "بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى "عمرو بن العاص " أهل مصر، من الأمان على أنفسهم، وملتهم، وأموالهم، وكنائسهم وصلبهم، وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شئ من ذلك ولا ينتقص..
ولا يساكنهم النوب.

وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية ـ إن اجتمعوا على هذا الصلح، وانتهت زيادة نهرهم ـ خمسين ألف ألف درهم وعليهم ما جنى لصوتهم.
فإن أبى أحد منهم أن يجيب، رفع عنهم من الجزاء بقدرهم، وذمتنا ممن أبى بريئة.
لان نقص نهرهم من غايته إذا انتهى، رفع عنهم بقدر ذلك..
ومن دخل فى صلحهم من الروم والنوب فله مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم..
ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، أو يخرج من سلطاننا..
عليهم ما عليهم أثلاثا.
فى كل ثلث جباية ثلث ما عليهم..
على ما فى هذا الكتاب عهد الله، وذمة رسوله، وذمة الخليفة أمير المؤمنين، وذمم المؤمنين.
وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا، وكذا وكذا فرسا.
على أن لا يُغَزوْا، ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة..
شهد الزبير، وعبد الله، ومحمد ابناه،.
كتب وردان وحضر …." ا . هـ.

***
إن المبادىء الهامة التى تضمنتها هذه المعاهدة تعد صفحة جديدة فى تاريخ العصور الوسطى.
وهى على نسق المعاهدات التى أبرمها المسلمون مع كثير من الشعوب التى طردوا الفرس والرومان منها.
ويجب أن نقرر هنا بعض الأسباب التى جعلت المصريين يستريحون لهذا العهد المعروض عليهم ويمضونه راضين.
ا ـ فقد استردت البلاد حريتها الدينية كاملة، ونالت ضمانا واضحا أن تبقى للمعابد قداستها فلا يقتحمها أحد، ولا تخدش شعائرها...
وكان الأقباط محرومين من هذا الأمان فى أثناء حكم الرومان، لاختلاف المذهب الدينى، وإن انتمى الفريقان للنصرانية!.
2 ـ خف حمل الضرائب التى يدفعها المصريون للحكومة الإسلامية.
فإن تعداد مصر على عهد الفتح الإسلامى بلغ عشرة ملايين ساكن.
وكان الحد الأعلى لضريبة الجزية خمسين مليونا من الدراهم، أى متوسط ما يؤديه الفرد للحكومة خمسة دراهم فى العام " نحو عشرة قروش " مع أن الرومان كانوا يستكرهون المصريين على دفع جملة أنواع من الضرائب الباهظة..
3 ـ يلاحظ أن هذه الضريبة كانت تنقص تبعا لهبوط الفيضان ولكنها لا تزيد عن النسبة المقررة، كما أنها تؤدى أقساطا ثلاثة على مدى السنة.
4 ـ هذه المعاهدة معقودة مع المصريين الذين هم أصحاب البلاد.
فإذا رغب رومانى أو نوبى الدخول فيها، فله حق المعاملة بالمثل، وإلا فعلى العرب أن يصونوا دمه وحقوقه كلها حتى يبلغ المكان الذى يأمن فيه على نفسه أو ينقطع عنده سلطانهم.
5 ـ لا يجوز للمسلمين أن يمنعوا تجارة صادرة ولا واردة.
6 ـ ويجب عليهم- لقاء الضريبة التى يحصلونها- أن يمنعوا أى غزو لمصر.
وقد أخلص الطرفان فى تنفيذ المعاهدة.
ولما طارد العرب فلول الرومان المنهزمين واستولوا على ما بأيديهم من أموال جاء كثير من الأقباط يشكون أن هذه الأموال لهم أخذها منهم الرومان قهرا، فرد العرب عليهم ما أقاموا البينة على أنه ملكهم.

وبقى " المقوقس " على رياسته للبلاد يتردد بين منف والإسكندرية، وبلغ من توثق الصلات بين المسلمين والبطريرك أنهم كانوا يستشيرونه فيما ينزل بهم من مهمات حتى توفى.
كتبه / الشيخ العلامة محمد الغزالي

 هامش

1 الترجمة للكتاب النصراني وليست للشيخ محمد الغزالي وأغلب الظن أنه بقصد أن بولس  ينتمي فكريا الي مدرسة إسكندرية
الرجوع الي مقالات الشيخ محمد الغزالي - الرد على النصارى

التعصب

جبران مفرح

التعصب لفظ مركب من الجذر اللغوي ( عصب ) .. وهو على وزن تفعّل .. وهو يفيد التكثير وزيادة الشيء وتكراره مرات .. 
والجذر ( عصب ) يدل على ربط شيء بشيء .. وقد سميت الأعصاب أعصابا لأنها تربط بين الأعضاء .. ولو أتينا للقرآن الكريم لوجدنا الجذر اللغوي موجود لكن اللفظ المركب ( تعصّب ) غير موجود حيث قال سبحانه في سورة يوسف( لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ )
أيضا يقول سبحانه ( قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخَاسِرُونَ )
وقال سبحانه أيضا ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ )
وقال سبحانه عن ثروة قارون( وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ )

ومن خلال السابق يتضح جليا أن التعصب كي يكون تعصبا يحتاج لمجموعة أشخاص لهم آراء وأفكار معينة .. والتعصب هو ذوبان الشخصية في تقليد أعمى لأشخاص لهم إيديولوجيا أو مذهب وكيان مستقل .. حيث يقوم الفرد ليس بالدفاع عن أفكاره بل الدفاع عن أفكار وآراء المجموعة المنتمي إليها بغض النظر عن صواب آراءها من خطأها .. ويمتاز المتعصب للمذهب أو الإيديولجيا بإنّه لا يمتلك ميزة المراجعة الذاتية والنقد الداخلي أو حتى التسامح مع الآخر .. وكل من لا يدافع عن هذه العصبة أو المذهب لا يعتبر من ضمن المجموعة ..

ولذلك وقع أخوة يوسف في الخطأ وغرّهم أنّهم عصبة ويوسف فرد حيث تعجبوا واستغربوا لماذا لا يحبّهم والدهم بحجم حب يوسف وهم عصبة مترابطة .. لذلك نجد العصبة في القرآن الكريم مذمومه وليس لها أي قيمة كعصبة .. ومن هنا نفهم التعصّب أنّه يعبّر عن الانخراط في مذهبية أو ايديولوجيا معينة بدافع التقليد والانهزامية أمام المجموع للتعبير عن آراءهم والدفاع عنها وعدم التسامح مع الآراء الأخرى .. فالمتعصّب بارع في اكتشاف اخطاء الذين يختلف معهم بينما لا يستطيع أن يفتح عينيه على اخطاء مذهب جماعته ..

بل هو دائما ينفي عنهم كل العيوب وينسب لهم المميزات ويبالغ حتى ينسب لهم من المزايا ما يخالف العقل والمنطق أحيانا .. وهو في الحقيقة لا ينتج أفكار ولا يأتي بجديد بل يجنّد نفسه للدفاع عن آراء مجموعة من الناس ويعدّ من الخطأ أن نقول أن المتعصب يتعصب لآراءه وهو فقط يدافع عن آراء غيره ومن شروط التعصب وجود مجموعة يتعصّب لها المتعصّب .. ومن المؤسف حقيقة أنّ المتعصبين يتكاثرون حيث أصبح التقليد كالفطرة في البشر نظرا للتراكم الثقافي عبر التاريخ ووأد كل محاولات الإبداع والتجديد والابتكار ..

وحينما نرى شخصا ينتج أفكارا جديدة ويتمسك بتلك الآراء فهو لا يعبّر عن التعصّب لأنّه لا يوجد لديه عصبة أو أيديولوجيا يدافع عنها .. ولذلك فالإبداع والتجديد يتناقض تماما مع التعصّب .. والاستقلالية والفردية هي نقيض التعصّب .. وصاحب الفكرة الجديدة يظل وحيدا لا عصبة له .. وفي الحقيقة أنّ الرسالات السماوية جاءت لتحارب التعصّب والقضاء عليه .. لأن التعصب أيديولوجية منغلقة لا تقبل الآخر ولا تقبل التسامح معه .. وقد كانت دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام مبنيه على محاربة التعصب والإكراه ..

حيث لا إكراه في الدين من الأساس .. ويقول سبحانه ( وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) حيث أتاح للناس حرية الاختيار ولم تؤسس الدعوة لإقصاء الآراء الأخرى ونفيها .. بل إن ّ الله عزّ وجل عاتب الرسول قائلا سبحانه (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) .. ثم بعد ذلك أرسى للاستقلالية والفردية ضمن المنظومة الدينية فقال جلّ وعلا ( مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) .. وقال سبحانه ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) .. ثم أكد سبحانه على الفردية في داخل المجموع ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) فهنا يحدد سبحانه وتعالى الاختلافات ضمن المجموعة ( المسلمون ) .. ونهى أيضا سبحانه عن التبعية العمياء حيث قال أيضا جلّ من قائل( بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ )

لذلك فالله سبحانه يأمر بالـتآخي والتكاتف والتلاحم في ظل الاستقلالية وعدم ذوبان الشخصية في المجموع .. وستبقى المجموعة ( المسلمون ) مجموعة غير منغلقة على ذاتها في ظل التلاحم والوفاق من الداخل والخارج .. بل مجموعة تستحث التغيير والتجديد وتتسامح أفراد المجموعة ومع الآخر ( المُختلف ) وتقبل دخول أي شخص يريد الانضمام للمجموعة .. وهذا لا يعدّ تعصبا في الحقيقة .. لذلك ينبغي أن تبقى الأخوة واللحمة تحت ظل هذا الدين الحنيف بدون إقصاء ومحاربة لمن يختلف معنا .. وفي نفس الوقت ينبغي أن نشجّع على التجديد والإبداع والابتكار .. وعلينا أن لا نحارب التعصّب بالتعصّب 

يقول الدكتور عبد الكريم بكار - التعصّب يقوم على الاختصار المخلّ والتعميم المجحف، أي هو مولود لأبوين غير شرعيين، ولذا فإنه مذموم بمعايير الشرع والمنطق والإنسانية.

مع تمنياتي للجميع بالتوفيق وأن نستطيع نتخلص من التعصّب ونكون أمة رائدة لا متعصبة.
 

هذه المقالة هي المشاركة المميزة في نقاش فكري في صفحة أكاديمية بناء المفكر - إشراف : أ. د. عبدالكريم بكار  

 

الأكثر مشاهدة

Trending Template