Pages


المالكي والعراق إلى أين؟



منذ عقود لم يُخرِج نظام عراقي شهوداً على شاشات التلفزيون إلاّ كانوا شهود زور، وذلك من أجل فبركة تهمة على خصم سياسي.

كل شاهد يخرج من «أقبية» التحقيق إلى شاشات التلفزيون يجب ألاّ تُقبل شهادته سواء أكانت زوراً بالكامل أم كانت تحمل بعضاً من حقيقة، وكثيراً من الإضافات المفبركة، فهي لا يمكن إلاّ أن تكون كذلك.

كيف يعقل أن ينتقل شاهد كان قبل دخوله غرفة التحقيق مناضلاً صلباً، أو كان معاوناً موثوقاً به، بسبب شدّة إخلاصه وعمق قناعته، وإذ به ينقلب 180 درجة على كل ذلك بين ليلة وضحاها، أو إذا به يعلن «مقتنعاً» بأنّه كان إلى أمس أداةً ومخدوعاً، وقد تكشفت له الآن الحقيقة، طبعاً تحت العصا ولسع الكهرباء، وتحت ما يمكن أن يقال ولا يقال.

كيف يمكن لمثل هذا الشاهد أن يحظى بأيّ صدقية، أو أن يُستند إلى ما يقول، بل كيف أن تقام دعوى كاملة ضدّ المستهدَف، أو يُفتح صراع سياسي قد يشمل الآلاف وعشرات الآلاف.

إنّ إسقاط هذه اللعبة يُشكّل ضرورة لاختصار الكثير من الصراعات ولإظهار النيّات الخبيثة، والمؤامرات الماكرة، فلا يُسمح لمن وراء التزوير أن يخفي أهدافه الحقيقية، وذلك بإلقاء المسؤولية على خصم مستهدَف ليجعله المعتدي والبادئ، فيستخفي المعتدي الحقيقي وما يُخبّئ في جعبته.

الآن، إذا توقّفنا أمام الدعوى التي أقامها نوري المالكي رئيس وزراء العراق على نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي من خلال شهود جاء بهم من حرس الهاشمي ومساعديه إلى التلفزيون، فمن البداية يجب إسقاط تلك الدعوى ورفضها باعتبار شهودها شهود زور وقد خرجوا من أقبية التعذيب للتو، أو كانوا من المدسوسين السريّين عليه أصلاً.

من الناحية السياسية اشترك كل من المالكي والهاشمي باحتضان الإحتلال الأميركي لهما، وكلاهما تعاون، بهذه الصورة أو تلك، مع الآخر في اللعبة السياسية التي جرت تحت حراب الاحتلال الأميركي للعراق، الأمر الذي يجيز، من ناحية من النواحي، ألاّ يَعْبَأ المرء بهذا الصراع تحت نظرية «فخار يكسّر بعضه»، فطارق الهاشمي لا يُدافَع عنه حين يظلمه المالكي بشهود الزور.
ولكن السؤال الكبير ما الذي دفع المالكي، بعد زيارة لأميركا، إلى فتح معركة ضدّ طارق الهاشمي عبر شهود زور يتهمونه بتشجيع أعمال إرهابية وما شابه؟ الأمر الذي يتهدّد كامل العملية السياسية التي تشكلت تحت الاحتلال، ومن ثم إدخال العراق في مرحلة جديدة يتكرّس فيها تقسيمه على أسس طائفية وإثنية تنـزع عنه عباءة العملية السياسية التي حافظت على وحدة العراق شكلياً، ورمت إلى التخفيف من حدّة إقامة السلطة والدولة فيه على أساس من المحاصصات الطائفية والإثنية.
مهما جيء من مسّوغات وتفسيرات لخطوة المالكي إلاّ أنّها دمّرت، موضوعياً، العملية السياسية التي كانت أطراف الكتلة العراقية جزءاً أساسياً وضرورياً فيها.
لا يُحكم على السياسة من خلال النيات، ولا تقيّّم السياسات الخاطئة بما وراءها من مقاصد، وإنما من خلال مدلول الممارسة كما من خلال النتائج المترّتبة، فعندما تقوّم خطوة المالكي بأنّها ذاهبة إلى تقسيم العراق أكثر مما هو مقسّم الآن، يُنظر إليها موضوعياً وعملياً وبما ستؤدّي إليه من نتائج.
إنّ خطوة المالكي، عملياً، وبغض النظر عن النيّات والمقاصد، دمّرت سفنه مع طارق الهاشمي وحلفائه، ومع الأكراد الذين دلّت تصريحاتهم على تعاطف مع الهاشمي، وقد انتقل إلى الاحتماء في إقليم كردستان علناً. هذا وصرّح جلال طالباني رئيس الجمهورية أنّ ما اتخذه المالكي من إجراءات ضدّ الهاشمي يمسّ «هيبة الرئاسة»،
يعني أصبح العراق الآن ثلاثة أطراف وثلاثة أقاليم - دول على المكشوف، ولم يبقَ إلاّ إعلان الطلاق سواء أكان بالتراضي أم كان بفرض أمر واقع، أم كان من خلال حرب أهلية داخلية دامية.
الخلافيات بين المالكي وجبهة الهاشمي- العلاوي - المطلك ليست جديدة أو مستجدّة، فالوفاق الذي تمّ منذ تشكيل الحكومة حتى الآن كان العباءة التي تلف تلك الخلافيات وتهدّئ منها، فما قام من اصطفاف للتحالفات والمواقف جرى خلال السنتين الماضيتين ضمن عباءة ذلك الوفاق.
ومن هنا ينشأ السؤال لماذا الآن فجّر المالكي هذا الخلاف باتجاه القطيعة؟ وما المشروع الذي يحمله المالكي من وراء هذا التفجير؟ أو المشروع الذي تؤدي إليه خطوته عملياً؟
لا شك في أنّ انسحاب قوات الاحتلال الأميركي بفضل المقاومة، بصورة رئيسية، (طبعاً ثمة عوامل أخرى) قد أدخل الوضع في العراق أمام مرحلة جديدة تتطلّب إعادة تشكيل إجماع وطني يحافظ على وحدة العراق، وعلى هويته العربية والإسلامية، ويعيد بناء الدولة على أسس بعيدة من المحاصصة الطائفية الظالمة والمدمّرة التي تكرّست في ظل الاحتلال الأميركي للعراق.

بكلمات أخرى لم يعد من الممكن للوفاق السابق أن يستمر في معادلته السابقة بعد خروج قوات الاحتلال الأميركي، أو قل لم يعد من الممكن للمالكي أن يحكم العراق الموحّد كما كان يفعل في ظل الاحتلال الأميركي. ولهذا كان أمامه طريقان، قل للوهلة الأولى، طريق إعادة تشكّل إجماع وطني على أساس إقامة معادلة داخلية بين مكوّنات الشعب في العراق أكثر عدالة وأقرب للمساواة المواطنية، الأمر الذي يعني، ضرورة، تنازل المالكي ومناصريه لبعض أو لكثير من الامتيازات والصلاحيات التي تمتعوا بها في ظل الاحتلال.
أما الطريق الثاني الذي اختاره المالكي فيتمثّل في تفجير معادلة الوفاق السابقة باتجاه التقسيم الإقليمي للعراق بحيث يحافظ، كما يبدو، على حصة الأسد فيه، ويترك إقليمين، الأول الأقليم الكردي ويمكن رشوته بإضافة كركوك إليه ليعلن دولته المستقلة، وما يتبقّى فليقتسمه من يقتسمه، أو فليترك للفوضى.

طبعاً لا يمكن أن يعترف المالكي أنّه فتح المعركة مع الهاشمي وحلفائه، وبصورة غير مباشرة مع الأكراد، لتحقيق الهدف آنف الذكر، فما من أحد دخل حرباً طائفية وذهب إلى تقسيم طائفي وإثني للبلد معلناً أنّ هذا ما أُريد، وإنّما يفعلها وهو يشجب الطائفية ويؤكد على تمسكه بوحدة البلد والشعب. ولهذا يجب قراءة السياسة في مثل هذه الحالات من خلال ما يفعله المرء وما يقوله في الكواليس، وليس ما يعلنه أو ما يلفقه من تهم للطرف المعني، أما شهود الزور فموجودون دائماً عند الطلب.

إذا ذهبت الأمور في الإتجاه الذي أخذ المالكي يفرضه فنحن أمام انقلاب جديد في معادلة ميزان القوى عراقياً وعربياً وإقليمياً، لا سيما من جهة تحوّل إقليم كردستان إلى دولة كردية مستقلة إلى جانب تركيا وإيران وسوريا


لكي نفهم الشرق الأوسط


كيف يتسنى لنا أن نستوعب ونفهم الأوضاع السائدة في الشرق الأوسط؟ الأمور تتغير بسرعة قياسية  كما أنها تسير في اتجاهات مختلفة إن لم نقل متناقضة ومتضاربة. إذا أرَدنا الحقيقة، فدائما ما بدت الأمور في الشرق الأوسط معقدة بل في غاية التعقيد، إلا أن إيجاد تفسير مقنع لما يحدث حاليا بات أمرا بعيد المنال ويزداد صعوبة مع كل يوم جديد تطلع فيه الشمس.

 على أرض الواقع، نشهد ظهور قوى فاعلة متعددة الانتماءات، كما تتجلى أمامنا تحدّيات مختلفة ومصالح  متناقضة؛ ما يجعلنا لا نستغرب من عجزنا على تفسير ما يحدث أو التكهن بنتائج الحركات الشعبية والتغيرات السياسية التي تشهدها حاليّا المنطقة العربية. فمن جهة، نرى بأن الديناميكيات الوطنية الجوهرية قد خلقت بين القوى المختلفة حالة توازن جديدة، وهذه الحالة أصبحت تترك آثاراً عميقة في كلّ من مصر، ليبيا، اليمن وفي سوريا، وأيضا في تونس والمغرب. ومن جهة أخرى، نجد دُولاً أجنبية مثل: الولايات المتحدة، إسرائيل، الدول الأوروبية، الصين، روسيا وحتى تركيا وقطر متورطة في الوضع، بكيفيّات مختلفة وعلى مستويات متعددة. إمّا بمحاولة التأثير في الأحداث  الجديدة والدفع بها إلى المزيد من التطور والحركية، و إمّا بمحاولة السيطرة عليها وتقييدها بكل الوسائل الممكنة -وعلى قدر المستطاع- وهذا حسب المصالح الإيديولوجية، أو الاقتصادية، أو السياسية لكل واحدة من هذه الدول.

نحن نتذكر كيف خرج الملايين من الأشخاص، في تونس ومصر واليمن والبحرين وليبيا وسوريا، للمناداة والمطالبة   بالحرية والعدالة. النتائج الأولية للمنافسة السياسية في كلٍّ من تونس والمغرب (حيث تم استحداث العديد من الإصلاحات لتجنب حدوث ثورة شعبية) وكذلك في مصر؛ أظهرت تقدما واضحا للإسلاميين. البعض يعتقد، وفي خضم استحواذ الإسلاميين على أغلبية المقاعد السياسية؛ أن الثورات الشعبية قد أُجبِرت على تغيير مسارها. فيما يرى آخرون ضرورة احترام هذه النتائج ويطالب بالمحافظة عليها، باعتبارها نِـتاجُ عملية ديمقراطية حقيقية وتاريخية. اليوم نجد أنفسنا أمام حقيقة لم يعُد مُمكنًا تجاهلها أو إخفاؤها: يبقى الإسلاميون في هذه الدول التي تقطنها أغلبية مسلمة؛ أكبر القوى السياسية وأكثرها حضورا على الساحة الشعبية. شئنا أم أبينا، يحظى  الإسلاميون بشرعيّة تاريخية باعتبارهم أصحاب فضل في معارضةٍ جعلتهم يدفعون أكبر وأغلى ثمن من أجل الوقوفِ ضد الدكتاتورية السائدة إلى وقت قريب في المنطقة العربية، والعملِ على إزالتها: فقد شهد تاريخ نضالهم، الذي استمر لأكثر من نصف قرن، كل أنواع الترهيب والقمع؛ من سجون وتعذيب ونفي وإعدامات علنية وسرية. إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ما الذي يمكن أن نتوقع حدوثه في هذه الدول التي اختارت الدفع بالإسلاميين للحكم؟ والسؤال الأهم: كيف سيتسنى للقوى الكبرى الفاعلة في عالمنا هذا السيطرة على الواقع الجديد الذي أفرزته الانتخابات الأخيرة؟

سيكون من السذاجة المبالغ فيها أن نعتقد أو أن نظن أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية والصين وروسيا وحتى تركيا باقيةٌ مكتوفة اليدين ودون تدخّل بشكل أو بآخر في ما يجري من منافسة (واتفاقات سياسية وتنازلات  متبادلة) بين الإسلاميين والعسكر وحلفائهم التقليديين. من جهتها إسرائيل لن تسمح أبدا من أن ينحصر دورها في دور الـمُشاهِد غير المؤثر فيما يحدث في الشرق الأوسط. سنَدُها الأكثر قوة وإصرارا والمتمثل في الولايات المتحدة يعمل ليل نهار وبكل ما أوتي من قوة وإمكانيات على فرض السيطرة بشكل أو بآخر على الأوضاع السائدة في الشرق الأوسط.

-       ما طبيعة الاتفاقيات المفترضة: ما بين الحكومات الغربية والشرقية وبين مختلف الجيوش التابعة لهذه الدول والإسلاميين؟ الجميع يعلم وقبل إجراء الانتخابات أن تلك الأحزاب الإسلامية القديمة والتي دائما ما كانت تُظهَر في صورة شيطانية، سوف تفوز بالانتخابات في تونس والمغرب ومصر دون أن يعمل أيّ من تلك الأطراف المؤثرة على منعها من الفوز والظهور كقوة سياسية فاعلة. فلماذا فضّلوا عدم التدخل؟

الإسلاميون تغيروا وحفظوا الدرس. منذ البداية ودائما ما كانوا على درجة كبيرة من البراغماتية (من المغرب إلى مصر إلى آسيا، مرورا بفلسطين) وقادرون على التأقلم مع التحديات السياسية الجديدة. يعلمون أن توازنات القوة في الشرق الأوسط تسير نحو التغيير والتبدل، وهم يُسيِّرون الأمور وفق المعطيات الجديدة. مع هذا فهُم يجدون أنفسهم أمام تطلعات ومطالب متناقضة: عليهم أن يظلوا أوفياء وملتزمين “بالمرجعيات الإسلامية” التي حملتهم إلى السلطة، وفي الوقت نفسه عليهم مواجهة الضغوطات الخارجية، والتي تحاول تقييم مدى ليونتهم والتزامهم باحترام العملية الديمقراطية ورؤيتهم الاقتصادية وكذا مواقفهم من إسرائيل. نحن نقرّ بأهمية النموذج التركي إلا أننا نظن أنه بعيد التحقق في الشرق الأوسط: الأمر يختلف إذْ أنّ دولة تركيا عاشت ظروفا تاريخية مختلفة عن نظيرتها في الشرق الأوسط ثم إنّ القوى الفاعلة في تركيا تبدو مختلفة عن نظيراتها العربية، والأمر مُشابه فيما يتعلق بالتحديات التي واجهتها وتواجهها تركيا وتلك التي نشهدها في البلدان العربية.

في العالم العربي، يبدو أن الوقت قد حان بالنسبة للإسلاميين؛ السعداء بنجاحاتهم الكبيرة في الانتخابات السياسية المتعاقبة، أن يشرعوا في التفكير في كيفية تسيير الفترة المقبلة. فقد يتعلق الأمر هنا ببداية المرحلة الأكثر حساسية في تاريخهم السياسي. قد يتعرضون لفقدان تلك المصداقية الدينية التي يتمتعون بها كمعارضة سياسية، أو قد يكون تحت الضغط الذي سيدفعهم إلى التغير والتأقلم مع الواقع السياسي الجديد إلى درجة تدفعهم إلى التخلي عن الجوهر المكوِّن لبرنامجهم السياسي أو التحول إلى مجرد شكل من النظم السياسية (والتي ستبدو بالتأكيد أقل فسادا وانحرافا من سابقتها) مغطاة ببعض الطلاء السطحي من المظاهر الإسلامية. إذا حدث هذا فيمكننا أن نصرح بالقول أن نجاحهم الذي تحقق مؤخّرًا ما هو إلا بداية لنهايتهم.

يعتبر ما يحدث الآن في الشرق الأوسط أمرا في غاية الأهمية والتعقيد في آن واحد ويتعلق الأمر بشكل واضح  بمرحلة تحول عميقة وعسيرة تعيشها المنطقة. في ليبيا وخلف الكواليس نرى كيف تقوم مجموعة من الحكام الجُدد والافتراضيين وكذا نُظرائهم الغربيين، الذين ساعدوهم بتدخلاتهم العسكرية للوصول إلى الحكم، بالسيطرة على مستقبل البلاد. الشفافية بعيدة عن أن تصبح حقيقة في البلاد، فما يفترض أن يكون تدخلا من أجل “دوافع إنسانية” لم يكن إلا بدافع من المصالح الجيوستراتيجية التي تبدو لنا حاليّا، وبعد مرور الوقت، في منتهى الدقة والوضوح. ما كنا نتوقع حدوثه منذ وقت قريب أصبحنا الآن شهداء عليه. لا أحد يعرف كيف سيصاغ المستقبل في سوريا؟ الشعب السوري يرفض التخلي عن معركته؛ الآلاف من الأبرياء يُقتلون على يد عصابات النظام الديكتاتوري. حاولت إسرائيل والولايات المتحدة والدول الأوروبية وكذا إيران تجنّب النقاش بخصوص إمكانية تغيير نظام الحكم في سوريا، مع هذا فإن الواقع يؤكد عدم وجود خيار آخر أمام هذه الدول. هذا هو السبب الذي يجعل الوضعية المعقدة للشرق الأوسط تبدو مُربِكة ومثيرة للحيرة: تتميز هذه الوضعية بوجود كمّ هائل من عوامل الصراع.

 إذا سقط النظام السوري فستتحول إيران، حليفته الإستراتيجية في المنطقة، وبشكل متناقض، إما لخطر داهم أو لهدف أكثر سهولة وفي متناول هجمة قادمة من الغرب باعتبار أن ميزان القوى والتحالفات سيكون قد تغيّر وسقط. الحملة الدعائية الأخيرة ضد إيران يجب أن تُفهم وتُستوعب من هذا المنطلق ووفقا لهذا الواقع الخاص. لقد بدأت الحملة عندما طلب السعوديون من أمريكا أن “تقطع رأس الأفعى”، ثم مع محاولة الاغتيال المزعومة في الولايات المتحدة (يطلبون منا أن نصدّق أن إيران كانت تنوي اغتيال السفير السعودي في نيويورك!)، ثم باستعمال الاعتداء الذي حدث ضد السفارة البريطانية في طهران كمحاولة جديدة؛ تهدف لخلق تحالف دولي ضد إيران. في هذه الأثناء تحاول إيران التحرك على مستويات عدة ومختلفة كما تبنَّت إستراتيجية متعددة الأبعاد: تحاول إيران الحصول على الدعم كما تسعى لإقامة علاقات ترقى لمستوى الثقة، وهذا في حدود المنطقة وعلى مستوى العالم. العقدة تزداد إحكاما والوضع يصبح كل يوم أكثر إثارة للقلق بالنسبة للنظام الحالي. رغم نقص الحرية والشفافية على المستوى الوطني فإن إيران تظل تسيطر على الوضع بامتلاكها لبعض الحلفاء ولعددٍ من الأوراق القوية والرّابحة. هل سنشهد ظهور قوى ديمقراطية عالمية وشعبية قادرة على التعبئة من أجل تغيير نظام الحكم في إيران أم أن الأمر سيتحول إلى جبهة جديدة مفتوحة على الحرب؟ الأكيد أن لا شيء مؤكدا في أيامنا هذه.

أيًّا كان المستقبل في هذا الشرق الأوسط الممتلئ بالانقلابات والاضطرابات السياسية، فإن القوى السياسية الجديدة الفاعلة ستُحاسب من طرف “المجتمع الدولي” وفق ثلاث مقاييس ذات أولوية أساسية: ستحاسب عن نوع النظام والقواعد الاقتصادية التي ستعمل وفقها، ستُسأل وستُحاسب عن موقفها من إسرائيل، بالإضافة إلى موقفها من الانقسامات الشيعية السنية في داخل البلدان ذات الأغلبية المسلمة.    أن نفهم الشرق الأوسط يعني أن نُبقي هذه العوامل الثلاثة في الذهن وبعين الاعتبار. بالنسبة لبعض المسائل  فبإمكان الإسلاميين إظهار ليونة وفعالية قد تتجاوز التوقعات (بالتأكيد باستثناء ما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي) في الوقت الذي تتعرض فيه جغرافية الشرق الأوسط إلى تغييرات جذرية. مع هذا، كان الأمر يتعلق  بالسياسة أو لا، فإن الشعوب المسلمة مطالبة بمواجهة هذا الواقع المتأزم والمخيف. أكبر التحديات التي تواجه الشعوب المسلمة ترتبط بالصراعات الداخلية وبالخصوص بما يتعلق بالتقسيم والمنافسة ( غير الصّحية تماما) بين السنة والشيعة. يتعلق الأمر هنا بواحدة من المسائل الأكثر أهمية في عصرنا هذا فلا يمكن أن نلوم غيرنا من كونهم أكثر قوةً وانتصارا؛ في الوقت الذي نتحمل فيه المسؤولية المباشرة والكاملة فيما وصلنا إليه من ضعف وخذلان وانهزامية.

الكاتب: طارق رمضان. ترجمة: فافة الشيخ صالح. مراجعة لغوية: يحيى الأطرش
موقع "يقظة فكر" 

أشهر مقالات "روبرت فيسك" لعام2011

نشرت صحيفة (جارديان) البريطانية اليوم أكثر المقالات قراءة للكاتب والمحلل السياسي الشهير"روبرت فيسك"، المختص بشئون الشرق الأوسط والتي  حازت الاهتمام العالمي، وهو ما كشفه استطلاع الصحيفة حول أكثر المقالات قراءة وتعليقا.
وتعتبر مقالة فيسك بعنوان "سكرات موت الديكتاتورية في مصر"، بتاريخ 30 يناير، وقبل تنحى الرئيس المصري السابق حسني مبارك، أكثر هذه المقالات قراءة وتعليقا، والتي تناول فيها بوادر دعم الجيش للشعب ضد نظام مبارك.
وتلتها مقالة "الحقيقة حول وحشية تونس" بتاريخ 17 يناير, وقال فيها فيسك إن إراقة الدماء والدموع لا جدوى منها في تحقيق الديمقراطية بالرغم من سقوط  الديكتاتور "زين العابدين بن علي".
وتأتي مقالة "أولا صدام حسين ثم القذافي, من سيكون طاغية الغرب المفضل" في المرتبة الثالثة بتاريخ 19 مارس, أي قبل وفاة الزعيم الليبي معمر القذافي وبعد أيام من موافقة مجلس الأمن الدولي, لحماية المدنيين في ليبيا من القوات الموالية لمعمر القذافي.
وحازت مقالة فيسك بعنوان "هل باكستان خائنة لأنها كانت تعلم مكان بن لادن؟" إعجاب القراء والتي أكد بها أن "أسامة بن لادن" أصبح لا وجود له, لأن الثورات الجماهيرية في العالم العربي, تعني أن تنظيم القاعدة مات بالفعل سياسيا.
وتليهم مقالة "من يهتم في الشرق الأوسط بما يقول أوباما؟" والتي أكد فيسك بها أن الرئيس أوباما ظهر ضعيفا في تعاملاته مع الشرق الأوسط هذا العام والذي سيؤدي بالضرورة إلى ضعف النفوذ الأميركي في المستقبل.
ثم مقالة "كيف يمكن إبعاد مستشار أن يسقط "محمود أحمدي نجاد"؟" والتي تناول فيها فيسك أسباب الاستقالة المحتملة للرئيس الإيراني "أحمدي نجاد"، بسبب الأزمة السياسية التي تورط فيها الأصدقاء المقربون منه.
وأعجب القراء بمقالة "10 أعوام، ونحن نكذب على أنفسنا متجاهلين السؤال الحقيقي" والتي ناقش فيها فيسك التقرير الرسمي عن أحداث يوم 11 سبتمبر متسائلا عما إذا كان قد قيل لنا الحقيقة حول ذلك اليوم الذي غير العالم إلى الأبد.
وتعد مقالة "لن يكون الشرق الأوسط نفسه مرة أخرى" من أقوى المقالات التي توقع بها فيسك أن الدولة الفلسطينية لن تنجح في إقامة دولة فلسطينية وتصبح عضوا في الأمم المتحدة.
وأشار فيسك في مقالته القوية "هل يمكن توجيه اللوم للقذافي لاعتقاده أنه واحد من الرجال الصالحين" إلى أن القذافي كان ضابطا يعرف بالحبيب في وزارة الخارجية بعد الانقلاب ضد الملك إدريس، ثم أصبح مكروها لأنه أرسل أسلحة إلى الجيش الجمهوري الأيرلندي, فتساءل فيسك "هل يمكن إلقاء اللوم على القذافي لأنه كان يفكر أنه رجل صالح؟
".


أمانى زهران
http://www.alwafd.org/

الثورة السورية والبنية الإقليمية الشيعية



كان عالم الاجتماع العراقي الراحل الدكتور علي الوردي (1913-1995) من الباحثين العرب الجادين الذين حاولوا فهم الإشكال السني الشيعي بمنطق التحليل التاريخي، بعيدا عن النفَس الطائفي.

فقد أوضح الوردي في دراسته لنفسية الفرد العراقي كيف يتحول الدين أحيانا في السياق الطائفي الملتهب إلى هوية مغلقة ومجردة من أي التزام أخلاقي، وتوصل إلى أن الإنسان العراقي "أقل الناس تمسكا بالدين، وأكثرهم انغماسا بين المذاهب الدينية، فتراه ملحدا من ناحية وطائفيا من ناحية أخرى" (علي الوردي: شخصية الفرد العراقي، ص 47)، لقد "ضعفت نزعة التدين في أهل العراق وبقيت فيهم الطائفية: حيث صاروا لا دينيين وطائفيين في آن واحد، وهنا موضع العجب" (علي الوردي: وعاظ السلاطين، ص 260)


وتذكرنا ملاحظات الوردي هنا بقول الكاتب الأيرلندي جوناثان سويفت (1667-1745): "لدينا من التدين ما يكفي ليبغِّض بعضَنا إلى بعض، لكن ليس لدينا منه ما يكفي ليحبِّب بعضنا إلى بعض".

وقد يكون في حكم الوردي هنا تعميم مجحف، فالتعصب الديني الممزوج بضعف التدين ليس عاما في أهل العراق، ولا هو خاص بالعراقيين دون الشعوب الأخرى. لكن الوردي يلفت النظر إلى ظاهرة عامة جديرة بالتأمل، وهي تحوًّل الأديان والمذاهب الدينية أحيانا إلى مجرد هوية وعصبية سياسية متجردة من أي مغزى أخلاقي أو رسالة إنسانية.

وتنطبق هذه الظاهرة على حكام دمشق اليوم أكثر من أي حكام عرب آخرين، فهم يجمعون بين انعدام التدين والتعصب الطائفي الذي يصل حد الفاشية.

لكن الأكثر إثارة في نظرات علي الوردي -وهو المنحدر من أسرة شيعية- هو تحليله للتشيع باعتباره مخزونا نفسيا واجتماعيا. فقد شبّه الوردي التشيع بالبركان الخامد الذي يُتوقع ثورانه في كل لحظة، فكتب منذ عقود يقول: "إنهم (الشيعة) اليوم ثوار خامدون، فقد خدرهم السلاطين، وحولوا السيوف التي يقاتلون بها الحكام قديما إلى سلاسل يضربون بها ظهورهم، وحرابا يجرحون بها رؤوسهم، ومن يدري فقد يأتي عليهم يوم تتحول فيه هذه السلاسل والحراب إلى سيوف صارمة من جديد... إن موسم الزيارة في كربلاء يمكن تشبيهه بموسم الحج لكثرة الوافدين إليه، هذا ولكن الزيارة الشيعية تختلف من بعض الوجوه عن الحج، إذ هي تحمل في باطنها بذرة من الثورة الخامدة، ومن يشهد هرج الزوار في كربلاء يدرك أن وراء ذلك خطرا دفينا... شبهنا التشيع في وضعه الراهن بالبركان الخامد، فهو قد كان في يوم من الأيام بركانا ثائرا، ثم خمد على مرور الأيام، وأصبح لا يختلف عن غيره من الجبال الراسية إلا بفوهته والدخان المتصاعد منها، والبركان الخامد لا يخلو من خطر رغم هدوئه الظاهر، إنه يمتاز على الجبل الأصم بكونه يحتوي في باطنه على نار متأججة، ولا يدري أحد متى تنفجر هذه النار مرة أخرى." (الوردي: وعاظ السلاطين، ص 255).

ومن الواضح أن البركان الشيعي الخامد الذي تحدث عنه الوردي منذ عقود قد انفجر انفجارا مدويا، وألقى بحممه إلى أصقاع بعيدة. وكانت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 والانفجار الطائفي الدموي في العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003 تحقيقا لنظرات الوردي الصائبة.

فقد فتح البركان الخامد فوهته على مصراعيها، فغطى إيران بلهبه، وألقى بحممه فأحرق العراق، وامتد حريقه إلى بلدان أخرى عديدة. ولا يكفي تفسير هذا الانفجار البركاني بظلم الشاه أو بدور الاحتلال الأميركي للعراق-رغم خطورتهما- فقد عانت شعوب عديدة من الاستبداد ومن الاستعمار فلم تكن ثمرات ذلك انفجارا بهذه الروح والمزاج، وإنما يحتاج الأمر إلى أخذ ذلك المخزون النفسي الذي تحدث عنه الوردي في الاعتبار.

وقد نال سوريا حظها من انفجار البركان الشيعي الخامد، لكن هذا البركان لم يثر في سوريا في صيغة ثورة مدوية على النمط الإيراني، أو في صيغة حرب أهلية على النمط العراقي، وإنما اتخذ في سوريا صيغة تسرب هادئ إلى قمة الجبل، وتحكمٍ فيها دون ضجيج، وإنما أسفر الإحياء الشيعي في سوريا عن وجهه البركاني في مذابح حماة وتصفيات سجن تدمر المروعة.

وربما كان الشيعة اللبنانيون الذين تحول بركانهم إلى سياط في ظهر إسرائيل هم الاستثناء الذي لم تتجه حمم بركانه إلى الداخل العربي المسلم بشكل عنيف، رغم المناوشات التي بدت على السطح من حين لآخر.

وبدخول إيران في حلف مع سوريا مطلع الثمانينيات، ثم انضمام العراق إلى ذلك الحلف بعد ثلاثة عقود، وانبعاث الشيعة اللبنانيين -بصعودهم الاجتماعي وريادتهم في مقاومة إسرائيل- اكتملت حلقات ما دعاه والي نصر "صحوة الشيعة" في كتابه المعنون بهذه العنوان، واستحكمت حلقات بنية إقليمية شيعية قوية، تمتد من طهران إلى بيروت، مرورا ببغداد ودمشق.

بيد أن هذه البنية التي تحولت تمددا إيرانيا في الفراغ الإستراتيجي العربي لم تحسن التعامل مع أهم حدث في تاريخ العرب الحديث، وهو ربيع الثورات العربية الذي نعيشه اليوم. لقد استغرب كثيرون من أهل الرأي والقلم -ومنهم من يمقُت الطائفية كما أمقُتُها- إجماع الأطراف الإقليمية الشيعية اليوم على الاصطفاف مع نظام الأسد في فظائعه ضد الشعب السوري:

* فقد وقفت إيران بعنجهية وعناد مع نظام الأسد الذي اعتبرته حليفا لا يمكن التفريط فيه، ولم ترفَّ أجفان القادة الإيرانيين ولا رقت قلوبهم أمام مشاهد الشباب السوري الذي تحصده آلة الموت الأسدية حصدا. والعجب أن تحاول إيران القيام بدور الغرب الاستعماري في حماية الدكتاتورية في وقت اضطر فيه الغرب نفسه إلى الخجل من هذا الدور القذر والتملص منه.

ليس من ريب أن هذا دليل على تخلف الحكام الإيرانيين في قراءتهم للمسار التاريخي الذي تتجه إليه المنطقة اليوم، وجهلهم بعواقب ذلك على دولتهم الصاعدة التي يتقاذفها الأعداء من كل جانب.

* وتحول حسن نصر الله إلى بوق للنظام الدموي في دمشق، وأصبح الرجل الذي كان ملهما للشباب العربي وجها باهتا من حماة الطغيان ودعاته، فغدت طلعاته الإعلامية تسويغا للظلم وتشريعا للقتل، بعد أن كانت بالأمس القريب بريق أمل في بحر من ظلمات الهوان. وكما هو حال إيران فقد ركب حزب الله المهالك في وقوفه إلى جانب القتلة في سوريا، إذ رجح مصلحته التكتيكية في الحلف مع نظام الأسد على مصلحة إستراتيجية أكبر هي الالتحام بعمق شعبي سوري وعربي توفره له الثورات.

* أما القوى الشيعية في العراق فقد تردد موقفها بين الصفاقة التي برر بها مقتدى الصدر دموية الأسد واتهم الثوار السوريين بالطائفية -ربما من باب قول العرب: "رمتني بدائها وانسلت"- إلى الموقف المراوغ الذي تبناه نوري المالكي مراعاة لتوازنات السياسة الداخلية العراقية.

لقد تناسى المالكي كل صراعه مع حكام سوريا، واتهامه لهم بدعم المقاومة العراقية، حينما أصبح ما يعتبره مكسبا طائفيا في خطر، وهو حكم العلويين لسوريا. وقد نهج المالكي في الفترة الأخيرة نهج الغموض الإستراتيجي في القضية السورية، فهو يجامل الداخل العراقي والجامعة العربية بجمل منمقة حول أهمية السلم الأهلي في سوريا، ويسعى لإنقاذ حكم الأسد المتداعي بكل ما يملك.

إن الاستبداد هو الذي فرق بين السنة والشيعة، وبين العرب والإيرانيين، وهو استبداد قد يلبس عمامة فقهية أو خوذة عسكرية، لكنه هو الاستبداد ذاته بوجهه القبيح. ولن يجمع بين الطرفين سوى الحرية والاعتراف بحق الاختلاف. فلن يسعف الأسدَ الملطخ اليدين بدماء شعبه أن يسحب العلويين إلى حرب أهلية مع شعبهم، أو يتترس بحلف إقليمي مذهبي لا يملك من الانتماء إليه سوى الاسم والمصلحة الأنانية. ولن يكون الرد المناسب على اصطفاف البنية الإقليمية الشيعية وراء مصاصي الدماء في دمشق هو اصطفاف إقليمي سني مقابل، بل الرد الحقيقي هو ما رد به ثوار سوريا من نقض المنطق الطائفي، والتصميم على تحقيق دولة الحرية والعدل للجميع مهما يكن الثمن. فليس يهم مذهب الظالم أو مذاهب المظاهرين له، وإنما المهم هو الأخذ على يد الظالم، وقسره على الحق والعدل قسرا.

ربما يكون قدَر بلاد الشام -الجميلة بتاريخها وأهلها- أن تكون مركز تجاذب أبدي. فقد تنازعها الفرس واليونان، ثم الفرس والرومان، ثم العرب والروم، ثم الترك والفرنجة، ثم الترك والروم، ثم الفرنسيون والإنجليز.. وكانت -ولا تزال- موطن تنازع طائفي وثراء ديني وثقافي كثيف.

لكن الربيع العربي الحالي فرصة تاريخية للمصالحة مع الذات ومع الغير، بميلاد فضاء من الحرية يسع الجميع، بما في ذلك تمكين الشيعة من الخروج من أسر المظلومية والذاكرة الموتورة إلى الاندماج في جسد الأمة من جديد، دون خوف من الاضطهاد، أو تنازل عن الخصوصية الفكرية والفقهية.

فرط قادة الشيعة في إيران والعراق ولبنان فيما تحمله الثورات العربية من إمكان التئام الجرح الطائفي المزمن، وبناء دولة المواطَنة الرحبة التي لا مِنّة فيها لأحد على أحد، ولا تمييز فيها على أساس الدين أو المذهب

لكن مواقف القوى الإقليمية الشيعية من الثورة السورية يوشك أن يحول هذه الفرصة التاريخية إلى سراب. لقد تحول حامل راية المظلومية التاريخية إلى ظالم أو مُظاهِر للظلم، وفرط قادة الشيعة في إيران والعراق ولبنان فيما تحمله الثورات العربية من إمكان التئام الجرح الطائفي المزمن، وبناء دولة المواطَنة الرحبة التي لا منة فيها لأحد على أحد، ولا تمييز فيها على أساس الدين أو المذهب.

لقد سمعتْ البشرية كلها -عبر القنوات الفضائية والشبكة الإلكترونية- ذلك الرجل السوري الذي يأخذ بنياط القلوب، وهو يصرخ: "أنا إنسان.. ماني حيوان". وهو يذكرنا بالإفريقي الأسود في أميركا الستينيات الذي كان يحمل على صدره لافتة كتب عليها نفس الجملة البسيطة العميقة المؤلفة من كلمتين: "أنا إنسان". وهذا المدخل الإنساني هو الذي كان يتعين على قادة الشيعة أن يتدبروا به الثورة السورية. أما المثنوية والأنانية السياسية والكيل بمكيالين فهي أمور لا تصلح في التعاطي مع ثورات شعوب تسقي شجرة الحرية كل يوم بدمائها، وإنما يصلح للتعاطي مع هذه الثورات موقف أخلاقي صُراح لا ازدواجية فيه ولا التواء، موقف يُعاضِد كل الشعوب الطامحة إلى العدل والحرية، من صنعاء إلى حمص، ومن المنامة إلى طرابلس الغرب. موقف لا يرى في الإنسان العربي الثائر من أجل الحرية والكرامة سنيا أو شيعيا، مسلما أو مسيحيا، بل يرى فيه إنسانا مجردا، يسعى إلى الاعتراف بإنسانيته.

لقد أمسكت الشعوب العربية بزمام تاريخها، وهي مصممة على التخلص من الغزاة والطغاة والغلاة، سنة كانوا أو شيعة، مسلمين أو مسيحيين.. فهل يدرك حكماء الشيعة ذلك ويلتحموا بتيار التاريخ الجارف قبل فوات الأوان؟ وهل يتداركون مخاطر الهوة التي يقودهم إليها أسدٌ ظالم، مجروح الكبرياء، غارق في الدماء؟

محمد بن المختار الشنقيطي

الجزيرة نت

تحولات السلفيين.. والإخوان أيضا



فاجأت مذيعة في إحدى الفضائيات المصرية مرشحا سلفيا من قيادات حزب النور بعد نهاية الانتخابات التي صعد من خلالها للدورة الثانية ثم خسر أمام مرشح آخر، فاجأته بعرض شريط "فيديو" له يقول فيه إن الديمقراطية كفر، فارتبك الرجل بعض الشيء وراح يبرر موقفه القديم مقابل موقفه الجديد.

ولعل مشكلة التيار السلفي في مقارباته السياسية تتمثل في أنه -خلافا للإخوان- كان يعالج سائر القضايا السياسية من باب الحرام والحلال الحاسم في كثير من الأحيان، وليس على قاعدة درء المفاسد وجلب المصالح التي تشكل العنوان الأبرز لكل ما يتعلق بإدارة الشأن العام كما ذهب العلامة (ابن القيم) باستثناءات محدودة.


هناك بالتأكيد مجموعات سلفية توصف بأنها إصلاحية كانت لها مقاربات سياسية جريئة، كما هو حال حزب الأمة في الكويت، وخالفت ما تعارفت عليه التيارات السلفية التقليدية التي تعد الأكثر انتشارا إذا أخذنا العالم العربي كمثال جامع.

في السياق السلفي العام رأينا عجبا عجابا فيما يتصل بالفقه السياسي، فقد رأينا كيف ذهبت مجموعات تنتمي إليه نحو تبرير قتال الأنظمة وكل المنضوين في سلكها خلال الثمانينيات، ثم أجرى مراجعات جذرية بعد ذلك، وفي الحالتين استنادا إلى الكتاب والسنة.

ومن قرأ كتابات الدكتور فضل أو سيد إمام الشريف التي كانت مرجع الجهاديين خلال الثمانينيات (أبرزها العمدة في إعداد العدة والجامع في طلب العلم الشريف)، ومن ثم مراجعاته بعد ذلك (وثيقة ترشيد العمل الجهادي) سيرى الروحية التي يتصرف بها جزء من هذا التيار!!

عندما قال شيخ (حزب النور) الذي أشرنا إليه في مطلع المقال ما قال في مقاربته الأولى التي عرضتها عليه المذيعة، وهو للمفارقة مهندس وليس شيخا تقليديا، لم يكن يخطر بباله أنه سيقف هذا الموقف في يوم من الأيام، فقد كان يعيش ظروفا مختلفة، وعموما يمكن القول إن الربيع العربي -بطبعته التي نعيش- قد فاجأ الكثيرين، بمن فيهم قيادات في الظاهرة الإسلامية.

كان بعضهم في التيار الإخواني قد تعايشوا مع مقولة الإصلاح التدريجي لأنظمة يستحيل إصلاح معظمها في واقع الحال، فيما تعايش السلفيون (معظمهم للدقة) مع الواقع القائم وفق نظرية "حاكم الغلب" الذي لا يجوز الخروج عليه ما أذن بالصلاة وليس ما أقام الصلاة، مع أن نتنياهو يأذن بالصلاة، بل بوجود حركة إسلامية أيضا. كما حرَّموا الأحزاب والانتخابات، فضلا عن المظاهرات وصولا إلى تحريم نقد الحاكم في العلن.

بالطبع ثمة فقه سلفي لا يزال مقيما على هذه المقولات، بما في ذلك في الساحة المصرية بعد الثورة، لكنه لن يلبث أن يغيرها (غالبا إذا رغب ولاة الأمر في ذلك!!)، تماما كما غير موقفه من جواز المشاركة في الانتخابات (تصويتا) وليس ترشيحا في الأردن مثلا، بل كما غير موقفه من قضايا فقهية تقليدية مثل الظهور على الفضائيات، فضلا عن إنشائها (كانوا يقولون بحرمة التصوير!!).

في الحالة المصرية شهدت الحالة السلفية تغيرات يمكن وصفها بأنها جذرية، فيما ستذهب تيارات سلفية أخرى في العالم العربي نحو ذات الوجهة، وأتذكر أن التيار السلفي السعودي (تيار الصحوة كما يعرف هناك) كان له ذات الموقف من الانتخابات، وعندما أجريت الانتخابات البلدية قبل سنوات تردد في الجولة الأولى ثم انخرط فيها خلال الجولة التالية، بينما بات الكثيرون من رموزه يدعون إلى إصلاحات بروحية ديمقراطية (ملكية دستورية في بعض الأحيان).

في الحالة الإخوانية رفض الإمام حسن البنا تأسيس حزب، لكن تنظيمات الإخوان في الدول العربية لم تلتزم تاليا بهذا الرأي، حيث بادرت إلى تأسيس أحزاب. وعموما يمكن القول إن الفقه الإخواني كان واضحا في انحيازه إلى نظرية المصالح والمفاسد في العمل السياسي، فكان أن تعددت اجتهادات فروع الجماعة في التعاطي مع الشأن السياسي، حتى تجاوز بعضها الخطوط الحمر في علاقاته وتحالفاته، كما هو حال العمل السياسي من خلال منظومة أنشأها الاحتلال كما فعل فرع الجماعة في العراق (رفضت ما فعله سائرُ فروع الجماعة الأخرى، وإن لم تتخذ موقفا صارما منه)، أو التحالف مع العسكر ضد فريق إسلامي آخر (جبهة الإنقاذ) كما هو حال حركة مجتمع السلم في الجزائر.

واقع الحال من الناحية الشرعية والتاريخية هو أن الإسلام (في رؤية أهل السنة) قد أعلى من شأن الأمة، واعتبر أن الحاكم موظف عند المسلمين يقوم على شأنهم ويتلقى أجرا مقابل ذلك، وهو ما كان خلال فترة الخلافة الراشدة عبر ما عُرف بالبيعة التي كانت الطريقة المتيسرة في ذلك الحين في ظل واقع الحياة البسيط المعروف (بخاصة وسائل النقل والاتصال). وقد كان ذلك تميزا عن الواقع السياسي المحيط في العالم الذي لم يعرف في تلك الأثناء سوى الإمبراطوريات الوراثية.

مع معاوية بن أبي سفيان بدأ الحكم العضوض، وذهب الفقه الإسلامي في بعض تجلياته نحو تبرير الواقع الجديد الذي انسجم عمليا مع السائد عالميا وابتعد عن روح الشريعة، لا سيما أن القرآن واضح كل الوضوح في جعل الأمر شورى بين المسلمين.

اليوم يستعيد الإسلاميون مقولة الولاية العامة للأمة عبر أطر ديمقراطية حديثة، وهي بالمناسبة ليست أطرا نهائية ويمكن تغييرها بحسب ظروف الزمان والمكان، بما فيها القيم الاجتماعية والدينية (مثال ذلك الاشتراطات المتعلقة بالدعاية واستخدام المال فيها، إلى غير ذلك من شروط تجعل الاختيار أقرب ما يكون إلى الحرية بعيدا عن التأثيرات المرفوضة)، ومعلوم أن قوانين الانتخابات وشروط الترشيح والدعاية تختلف بين بلد وآخر، إذ لم يتوصل العالم بعد إلى قانون عادل تماما، كما لم يتوصل إلى صيغة تفرض التصويت على جميع الناس، وسيأتي اليوم الذي يتحول فيه التصويت إلى مهمة تتعلق بكل شخص في ظل ثورة الاتصالات، من دون الحاجة إلى صناديق اقتراع لا يتجاوز فيها المشاركون حدود النصف في أكثر الأحيان.

من هنا، فإن ولاية الأمة هي العنوان الأبرز لحراك الإسلاميين السياسي، ومن العبث التشكيك في ذلك، لا سيما أن الوضع الجديد جاء نتاج ثورات شعبية وليس انقلابات عسكرية يمكن لأصحابها أن يتصرفوا بعدها كيف يشاؤون. وعموما سيكونون -كما غيرهم- أمام اختبار الجماهير التي لا تمنح أحدا شيكا على بياض، بل تنحاز إليه بقدر انحيازه إلى همومها في القضايا الداخلية والخارجية.

اليوم يركز طموح الإسلاميين -بل يجب أن يكون كذلك- على أن يتحقق الإجماع بشكل تدريجي على المرجعية الإسلامية للدولة المدنية، ويكون التنافس بين القوى بعد ذلك على هذا الأساس. وقد كان طموح الدكتور حسن الترابي في مسيرة الإنقاذ أن يكون التداول على السلطة ضمن إطار المرجعية الإسلامية، لكن شركاءه رفضوا ذلك وانقلبوا عليه هو أيضا، لا سيما أن المرجعية الإسلامية في السودان لا خلاف عليها عمليا بين سائر القوى الأساسية في الساحة.

من حق القوى الإسلامية أن تحشد الناس خلف برنامجها عبر الأطر الشعبية المستندة إلى التعددية، وليس من حق أحد أن يملي عليها شيئا بعد ذلك، وعلى سائر القوى أن تقبل بما تفرزه الصناديق. هذا هو المسار المتاح لتحقيق طموحات الأمة في العدالة والمساواة والوحدة ومواجهة المخططات الأجنبية.

فاصل بالغ الأهمية
فاجأ المتحدث باسم حزب النور (يسري حماد) الدوائر السياسية، لا سيما الإسلامية منها بتصريحات لإذاعة الجيش الإسرائيلي (يوم الأربعاء 21 ديسمبر/كانون الأول)، وهي خطوة بالغة الخطورة لجهة التطبيع مع العدو الصهيوني، (قال لصحيفة المصري اليوم "قلت لمراسل الراديو الإسرائيلي"، مما يقلل من إنكاره معرفة هوية المراسل بعد الضجة التي أحدثتها القصة).

أما الأسوأ فيتمثل في تصريحاته المتعلقة بالمعاهدات مع الدولة العبرية، والتي تجاوز مسألة احترامها إلى تأييد حل الدولتين بدعوى القبول بما قبل به الفلسطينيون، مع العلم أن حل الدولتين يعني الاعتراف بالكيان الصهيوني واحتلال لـ78% من أرض فلسطين التاريخية. ولا تسأل بعد ذلك عن تصريحات لقياديين آخرين لا تستبعد الجلوس مع الإسرائيليين، وهي التي رحبت بها الدوائر الإسرائيلية.

سيقول البعض إن الإخوان قد قالوا باحترام المعاهدات الدولية، ولكنهم أولا لم يصرحوا لوسيلة إعلام إسرائيلية، أما ثانيا فقد قالوا كلاما ينطوي على إمكانية إعادة النظر في "كامب ديفد" بما يخدم مصالح الشعب المصري.

وعموما نحن نرفض أي شكل من أشكال التلكؤ في رفض المعاهدة من حيث المبدأ لأن غالبية المصريين ترفضها، وإن تفهمنا القول إن أي موقف جديد منها سيؤخذ من خلال الأطر الدستورية التي قبل بها الجميع.

هذه التصريحات من طرف المتحدث باسم حزب النور تستدعي الاستنكار في واقع الحال، وتشير إلى عمق أزمة التيار الذي يتراجع بسرعة رهيبة عن الكثير من مبادئه من أجل السياسة والسلطة رغم أنه ليس مرشحا لاستلامها، أقله بشكل منفرد.

إذا كان قادة الحزب يعتقدون أنهم بتصريحاتهم ومواقفهم تلك يستجلبون رضا الغرب، فإن عليهم أن يتذكروا أنهم يفقدون بسببها ثقة المصريين وعموم الشارع العربي والإسلامي، وهو ما ينطبق على الإخوان وأية قوة سياسية لا تأخذ في الاعتبار مشاعر الأمة حيال الكيان الصهيوني، وكذلك الدول الغربية التي تناصب الأمة العداء .

ياسر الزعاترة

الجزيرة نت

الانتخاب فريضة وضرورة ولايجوز لأحد أن يكتم الشهادة

دعا فضيلة الشيخ يوسف القرضاوى رئيس الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين، جميع المصريين ألا يبيعوا أنفسهم وأصواتهم لأحد، وأن يذهبوا للانتخابات والإدلاء بأصواتهم.

ونقلت صحيفة أنبائكم الإلكترونية ما أكده القرضاوي: "الانتخاب فريضة وضرورة، وأن تؤدى صوتك بأمانة، ولايجوز لأحد أن يكتم الشهادة ومن يكتمها فإنة آثم قلبه".

شدد القرضاوي ـ أثناء لقائه فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر - على أنه لابد من الذهاب إلى الانتخابات ـ حتى على الاخوة المعتصمين فى ميدان التحرير ـ يجب عليهم الذهاب إلى الانتخاب، فالاعتصام لايمنع الانتخاب، فالمرحلة القادمة هى بناء الامة والسبيل إلى الدولة المدنية، ومن الناحية الاقتصادية فإننا قادمون على مرحلة خطيرة، وأن الأزهر له دور كبير فى التعلم والترشيد وهداية الامة .

قال القرضاوي: " لقد تحدثت مع فضيلة الأمام الأكبر عن دور مصر ودور شعب مصر فى الانتخابات المقبلة، فإنها مرحلة مهمة فى تاريخ هذه الأمة، وسوف تكون انتخابات لأول مرة نزيهه وحرة وشفافة"، بحسب موقع أخبار مصر.

أضاف القرضاوي : "مصر ليست وحدها فى هذا العالم فهى مرتبطة بجميع الدول العربية مثل سوريا وليبيا واليمن وغيرها فهى مرتبطة بالمنطقة العربية كلها والبلاد العربية مرتبطة بمصر وثورتها فأى ثورة فى مصر تتأثر بها كل البلاد العربية .

و ختم الشيخ القرضاوى لقائة بالإمام الأكبر بالدعاء له وللأزهر ولمصر، كما قال للصحفيين: "اسأل الله ان يوفقكم فى كلماتكم، فكلماتكم لها منزلتها وثقلها فى فكر الناس".

الأكثر مشاهدة

Trending Template